: آخر تحديث

إلى الكبير حمد الحمد... العطلة «هوية» وليست مجرد «إجازة»!

3
5
3

محمد ناصر العطوان

قرأتُ باهتمام، وكعادتي مع كل ما يكتبه أستاذنا وأديبنا الكبير حمد الحمد، مقاله الأخير الذي يطرح فيه مقترحاً «إدارياً» جريء المظهر، ولكنه إشكالي الجوهر، حول إعادة هندسة العطل الرسمية في الكويت.

أستاذنا الكبير، انطلق من ذاكرة «أبوصلاح» الله يرحمه في القاهرة، ليصل إلى نتيجة مفادها... بما أننا لا نحتفل برأس السنة، وبما أننا نعطل في مناسبات دينية (مثل الإسراء والمعراج والمولد النبوي) دون فعاليات صاخبة، فلماذا لا نلغي هذه العطل الرسمية ونحولها إلى رصيد إجازات يضاف للموظف، ونكتفي بالأعياد الرئيسية والوطنية؟ واسمح لي يا أستاذنا الكبير أن أختلف معك في «المنطلق» وفي «النتيجة»، ولعلي أفند هذا الاختلاف في نقاط ثلاث:

أولاً: العطلة «تذكير» وليست «ترفيهاً» فقط، فيا سيدي الكريم، العطلة في المناسبات الدينية (الإسراء والمعراج، الهجرة، المولد) ليست مخصصة لكي نخرج للمسيرات أو نملأ المطاعم، بل هي «عطلة هوية». الدولة عندما تعطل في هذه الأيام، فهي تقول بلسان رسمي... «نحن دولة مسلمة، نجلّ هذه الذكرى، ونتوقف عن الركض في دولاب العمل لنستشعر قيمتها».

إلغاء العطلة الرسمية وتحويلها إلى يوم رصيد يعني أن الذكرى ستمر مرور الكرام، وسيصبح «الإسراء والمعراج» مجرد يوم ثلاثاء أو أربعاء عادي نداوم فيه ونوقع الحضور والتواجد والانصراف، وتذوب الهوية في «روتين البيروقراطية». العطلة هي جرس تنبيه للأجيال بأن اليوم مختلف، حتى لو قضيناه في البيت.

ثانياً: وهم «توفير» السفر!

تقول يا أستاذنا إن العطلة الحالية تدفع الناس للسفر وصرف الأموال في الخارج وإفراغ البلد. ولكن الحل الذي اقترحته (ترحيل الأيام الملغاة لرصيد الموظف) سيفاقم المشكلة ولن يحلها!

فالموظف الكويتي «الذكي» سيقوم بتجميع هذه الأيام الأربعة (رصيد البدل)، ويضيفها إلى رصيده السنوي، ليأخذ إجازة طويلة (أسبوعين أو أكثر) ويسافر بها إلى أبعد من «القاهرة» التي زارها أبو صلاح!

فبدلاً من عطلة يوم واحد قد يقضيها في الشاليه أو البر، سيعطيه مقترحك «ذخيرة» إضافية لرحلات طويلة خارج البلاد، وبالتالي «القدرة الشرائية» التي تخاف عليها ستطير للخارج بشكل أكبر وأكثر تنظيماً.

ثالثاً: التباين في الطرح

الغريب في المقال -كما استشعرت- هو التباين بين المقدمة والخاتمة. بدأتَ بالحديث عن «رأس السنة» والجدل حولها، وانتهيت بالمطالبة بإلغاء عطلة «الإسراء والمعراج» و«رأس السنة الهجرية»!

كيف نساوي بين مناسبة دينية هي جزء من عقيدتنا وتاريخنا (الهجرة والإسراء)، وبين مناسبة إدارية عالمية (رأس السنة الميلادية)؟ ثم تختم مقالك بعبارة تقول: «أعتقد لا يجد صدى، كون الكثير مما نكتب لا يلقى صدى».

فلماذا تختار «التضحية» بمناسباتنا كمقترح للتطوير؟ أليس الأجدر بنا بدلاً من إلغاء العطلة، أن نطالب «بتفعيلها»؟ أن نطالب السياحة والثقافة والإعلام بأن يجعلوا من «المولد النبوي» و«الإسراء والمعراج» مواسم للفرح المباح، والأنشطة الثقافية، والاحتفاء بالقيم، يا أستاذنا العزيز...!

مشكلتنا ليست في «كثرة العطل»، بل في «قلة الإنتاجية» أيام الدوام.

دعوا «الإسراء والمعراج» عطلة، ودعوا «الهجرة» عطلة... لعلنا ونحن جالسون في بيوتنا، نتذكر أن لنا تاريخاً عظيماً يستحق أن نتوقف لأجله، بدلاً من أن نتحول إلى تروس في ماكينة عمل لا تتوقف إلا لتقول «Happy New Year».

مع خالص المودة والتقدير لقلمك وتاريخك. وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد