عبدالرحمن الحبيب
عقد دافوس (المنتدى الاقتصادي العالمي) اجتماعه السنوي قبل أيام، فيما اعتبر أكبر منتدى له وسط تصاعد الاضطرابات الجيوسياسية، فضلاً عن الصدام «الجيواقتصادي» بين القوى الكبرى والذي يُعد الأكثر خطورة في السنوات القليلة المقبلة، وفقًا لاستطلاعات الرأي التي أجراها المنتدى؛ في الوقت الذي يواجه المنتدى انتقادات مختلفة، سواء باعتباره يمثل نخبة الأغنياء أو كما قيل أنه أشبه بـ«لقاء لمّ شمل للأشخاص الذين ساهموا في إفلاس العالم الحديث»، كما سبق أن وصفه رئيس تحرير مجلة تايم الأميركية، أناند غريدهاراداس، فضلاً عن الاحتجاجات المعتادة التي تنظمها حركات اجتماعية وبيئية ترى في دافوس رمزاً لاختلالات النظام الاقتصادي العالمي.
بالمقابل، يؤكد منظمو دافوس أنه يجمع زعماء الدول وقادة الأعمال من رؤساء ومديري شركات كبرى متعددة الجنسيات وشخصيات اقتصادية وثقافية بارزة وحتى مفكرين وناشطين ممن ينتقدون أداء المنتدى، وذلك للحوار فيما بينهم من أجل الصالح العام وتحسين وضع العالم، ومن هنا أقيم منتدى هذه السنة تحت شعار «روح الحوار»، ليوفر منصة محايدة لربط القادة لمواجهة التحديات المشتركة ودفع الابتكارات التي تحدد المستقبل بما فيها مجالات البيئة والتنمية العالمية المستدامة حسبما نشر موقع المنتدى.
ويطرح منظمو المنتدى أمثلة على إنجازاته وما تخللها من لقاءات وحوارات مثل إعادة تطبيع العلاقات بين تركيا واليونان عام 1988، عقب اجتماع بين رئيسي وزرائهما على هامش المؤتمر، بالإضافة إلى إطلاق مبادرات صحية كبرى، أبرزها التحالف العالمي للقاحات والتحصين عام 2000.
وقد يكون من ثمار دافوس هذه السنة هو بعض الارتياح والتفاؤل الحذر الذي شاب أجواء المنتدى بعد خطاب وتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه لن يستخدم القوة للاستحواذ على غرينلاند ولن يفرض الرسوم المقررة بشأن من يعارض ضمها لأمريكا، وأن الاتفاق الذي سينفذ بهذا الخصوص سيرضي جميع الأطراف، واصفاً لقاءاته مع القادة بأنها مثمرة، رغم أن تصريحاته لم تخل من انتقاده للحلفاء الأوربيين. أضف إلى ذلك تصريح ترامب بأن روسيا وأوكرانيا أبدتا رغبتهما في التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب، وكذلك تبشيره بمستقبل واعد لغزة عبر «مجلس السلام».
ما يبدو للبعض أن ترامب تراجع عن تصريحاته السابقة بشأن الاستحواذ على غرينلاند أو الرسوم الجمركية لمن يعترض على ذلك من الأوربيين، إنما هي سمة من طرق ترامب بأسلوب المساومة التجارية بالتصعيد ثم التنازل، أي يطلب أكثر مما يريد للحصول على ما يريد، بل هو وصف نفسه في ختام كلمته في دافوس عندما تحدث عن عمل فريقه في غزة، قائلاً إنه «رجل عقارات بالفطرة».
كما سبق أن أجاب السيناتور ماثيو كرونيغ، الذي عمل في وزارة الدفاع خلال الولاية الأولى لترامب، عند سؤاله: ماذا عن غرينلاند؟ أجاب قائلاً: «تقول إدارة ترامب إن الخيارات العسكرية مطروحة. أرى أن هذا أسلوب ترامب التفاوضي: يطلب مئة بينما يريد عشرة. لا أتوقع أن تتخذ الولايات المتحدة إجراءً عسكريًا ضد غرينلاند، حليفتها في الناتو.»
إذا كان ترامب يبشر باتفاقات مستقبلية واعدة، فإن ردود الفعل الأوربية كانت متفائلة بحذر خشيته تقلباته، بينما كانت صارمة من رئيس وزراء كندا مارك كارني في المنتدى سواء في كلمته أو في تصريحاته محذراً من أن النظام العالمي القديم القائم منذ زمن طويل على القواعد، والذي تقوده الولايات المتحدة، قد انتهى ولن يعود، ونحن في خضم قطيعة لا مرحلة انتقالية، مضيفا بأن نظام الحوكمة العالمي يعيش تصدعاً لا مجرد مرحلة مؤقتة، بسبب تصاعد تنافس القوى الكبرى.
كارني أكد بأن علينا التكيف والاستعداد للعالم الجديد وليس التباكي والحنين للماضي، وأن القوى الكبرى (أمريكا تحديداً) ستسعى لمصالحها وستفرضه على العالم سواء عبر قدراتها الاقتصادية أو العسكرية، وأن القوى المتوسطة (مثل كندا ودول أوربا) لم يعد بإمكانها الاعتماد على فكرة أن الالتزام والامتثال سيضمنان لها الأمن، داعيًا هذه الدول للتعاون معًا حتى لا تصبح “على قائمة الطعام” بدل أن تكون على طاولة القرار، وأن تتضامن لتحسين موقعها التفاوضي في الاتفاقات وأن تكون موجودة على الأقل في هذا المشهد الجديد.
بطبيعة الحال، ذلك لم يعجب ترامب ففي اليوم التالي من خطاب كارني سحب دعوته لرئيس الوزراء الكندي للانضمام إلى «مجلس السلام» في منشور على منصته «تروث سوشيال»، وزعم في خطاب ألقاه في دافوس أن كندا ناكرة للجميل على الهدايا الكثيرة التي تتلقاها من الولايات المتحدة.
مهما كان الموقف من دافوس، فمن المعتاد في هذا المنتدى تنوع الخطب البلاغية والتصريحات المؤثرة التي ينتهزها المشاركون كمحاولة للتأثير على أجندة السياسة العالمية ودفع قضايا محددة إلى صدارة الاهتمام الدولي، ولعل كلمة رئيس الوزراء الكندي كانت الأبرز مثالاً لذلك، إضافة لكون المنتدى مناسبة لعقد اجتماعات مغلقة حول قضايا الاستثمار والاقتصاد، أو لإبرام صفقات تجارية.
أما من ناحية نخبوية المنتدى، فيقول مارتن وولف، كبير المعلقين الاقتصاديين في صحيفة فايننشال تايمز: «من طبيعة النخب أن تكون بعيدة عن أنظار العامة، ولكن من المستحيل أن يكون هناك عالم بدونهم، ومن الضروري أن يجتمعوا بانتظام لفهم كيف يفكر كل منهم».

