يُحسبُ لخطاب مارك كارني، رئيسِ الوزراء الكندي، أنَّه لم يخلُ من نقدٍ ذاتي. فقد قالَ صراحة إنَّ الدولَ المتوسطة التي تنتمي إليها كندا رأت عيوبَ النّظام الدولي، وكانت واعيةً بالاستخدام الانتقائي لقواعدِه من قبل الدول الكبرى، لكنَّها اختارت تجاهلَ ذلك ما دامت كانت مستفيدة.
وكان أكثر تخصيصاً حين أشار إلى أنَّ هذه الدول المتوسطة تنافست فيما بينها على رضا القوى الكبرى، وفضّلتِ الوصولَ الفردي إلى الطاولة على بناء طاولةٍ بديلة. والنتيجة، كما قالَ، أنَّ هذا السلوك لم يجعلها أقوى، بل أضعف كل واحدة منها على حدة.
حتى التشابك الاقتصادي، الذي رأت فيه هذه الدولُ حمايةً واستقراراً، تحوّل تدريجياً إلى أداة ضغط، ووسيلة عقابٍ انتقائي، وسلاح اقتصادي - سياسي.
والمفهومُ من هذه المقدمة أنَّ رئيسَ الوزراء الكندي يقترح وعياً جديداً للدول المتوسطة، يؤسس لخطوات عملية تجعلها شريكاً قادراً على وضع القواعد، وعلى الجلوسِ إلى الطاولة نداً. أو، حسب التعبيرِ الذي استخدمه هو نفسه: «إن لم تكن على الطاولة، ستكون على قائمة الطعام».
تعبيراتٌ من هذا النوع جعلت الخطابَ محلَّ احتفاء في الدوائر الليبرالية التقدمية، التي رأت فيه صدى لخطاباتٍ ثوريةٍ قديمة، بلغةٍ تناسب قاموسَها الأخلاقي المعاصر؛ «لغة الجنوب»، وإن بلسانٍ شمالي مبين.
غير أنَّ الخطاب، في جوهره، رسالةُ شريكٍ متضرر، يشكو تهديدَ نصيبه وموقعه. وبنظرةٍ سلبية، يبدو أنَّ ما يريده كارني في العمق ليس العدالة للجميع كما يتصوَّر أنصار «الجنوب»، بل العودة إلى نمط سياسي تشكّل بعد الإنزال النورماندي: أن تهرع الولايات المتحدة إلى إنقاذ أوروبا، ثم يتشارك الجميع النصر، المستغيث والمغيث على قدم سواء. بعدها، تتبوأ أوروبا علياءَ أخلاقية تخاطب منها الولايات المتحدة من موقع المنتقد، كما حدث خلال حروب الباسيفيك من الخمسينات وحتى نهاية حرب فيتنام.
هذا النمط، الذي جرى تثبيته خلال الحرب الباردة في مواجهة الكتلة الشرقية، جرى فيه تجاهل الطبيعة الباسيفيكية للسياسة الأميركية، وحُصرت الأنظار في بعدها الأطلنطي. ومع انهيار الاتحاد السوفياتي، وانتفاء الفائدة الأميركية الأبرز، استمر هذا الوضع بقوة القصور الذاتي. وربما كان سيستمر أطول، لولا الصعودُ الصيني الذي أعاد إحياء العقيدة الباسيفيكية داخل الولايات المتحدة، وأعاد طرح سؤال التكلفة والجدوى؛ وهو السؤال الذي عبّر عنه ترمب، بحدَّته المعهودة، قبل غيره.
برز هذا أكثر حين «تأوربتِ» السياسة الأميركية في عهد أوباما، على نحو تجاوز حسابات المصلحة الصلبة، استراتيجياً وخطابياً. غضّ طرف عن الهجرة العشوائية وتسلل تيارات معادية، والإقدام على استفزازات دون الاستعداد لتحمل عواقبها، كما في الأزمة الأوكرانية - الروسية. وفي الشرق الأوسط، مكافأة إيران وميليشياتها، والتساهل مع المتطرفين وتمهيد طريقهم إلى الحكم خلال فوضى الربيع العربي. وكشخصٍ نشأ في مجتمع يسيطر المتطرفون على جزء كبير من وعيه، ثم رآهم ينتقلون إلى أوروبا ويتخذونها منصة أساسية للتجييش، أرى أثر ترمب في مواجهتهم، وفي دفع أوروبا نفسها إلى تغيير نهجها تجاههم.
قد يظن قارئ هذا الكلام أنَّه مناصرة لنهج ترمب السياسي. وهو في الحقيقة ليس كذلك. المسألة هنا لا تتعلَّق بالتأييد أو المعارضة، بل بمحاولة فهم السياق الذي أفضى إلى خروج شخصية مثل ترمب من قلب النظام، لا من هامشه. في أي نظام قضائي، لا يمكن تقييم الفعل خارج سياقه، ولا إصدار حكم قبل اكتمال الصورة.
كثير ممن لا يحملون موقفاً سلبياً صارخاً ضد ترمب يرون عيوبه، بل ومخاطره، لكنَّهم ينظرون إليه على أنَّه شخص في مهمة. ملخص هذه «المهمة»، إن صحَّ التعبير، هو فك الكوابح كي تنكشف موازين القوى، ثم تعود لتتوازن في أوانٍ مستطرقة. من يتعالى بلا مسوغ يُجبر على التواضع، ومن يستفز بلا قدرة على تحمل النتائج يخسر.
لا أرى خطابَ مارك كارني خارج هذا السياق. أسمع فيه إقراراً واعترافاً، أما ما بعد ذلك فمتروك لاختبار الواقع. سنعرف حدود هذه الصحوة مع أول تلويح أميركي لحليف هنا أو هناك بتحسين وضعه، أو مع أول خطر يتهدد «الناتو».
وللتذكير، فإنَّ أول من اشتكى من «الغبن» في هذا النظام لم يكن رئيس وزراء كندا، بل رئيس الولايات المتحدة نفسه.

