: آخر تحديث

فلسطين... للفصائل وقت وللشعب كل الوقت

5
5
5

لفترة طويلة من الزمن، استولتِ الفصائلُ الفلسطينية على القرارِ السياسي، وكانت من خلال منظمة التحرير تحدّد الأولويات والسياسات والأدوات، وكانتِ المنظمة وبفعلِ الدعم العربي الذي تطوَّر في القمم بالاعتراف بها ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني، وكذلك بفعل اعترافاتٍ دولية وازنة بدورها كطرفٍ جديرٍ بالتحدث معه في الشأن الفلسطيني؛ امتلكت مقوّماتٍ جدية لمكانتِها الفلسطينية والعربية والدولية، غير أنَّ هذه المكانة لم تُنجها من دفع أثمانٍ باهظة لقاء وجودها ودورها، فكان أن خسرتِ الجغرافيا الثَّمينة، وهي الأردن أولاً، ثم سوريا ثانياً، ولبنان أخيراً.

خسارة الجغرافيا الثمينة؛ حيث لا يفصل بين عملِها العسكري وساحة العدو سوى أسلاكٍ شائكة، أدّت إلى استعادة الأولوية التي نشأتِ الثورة الفلسطينية من أجلها، وهي العمل في الساحة الأهم، أي الوطن، فتمّت تنحية أولوية الكفاح المسلح جانباً لمصلحة توجهٍ جماعي متفقٍ عليه، وهو الانتفاضة الشعبية التي لا سلاح نارياً فيها، والتي سُميت «انتفاضة الحجارة» ذات الطابع الشعبي السلمي.

وفي الزمن الذي كان فيه متشدّدون في إسرائيل يحكمون، فُتح في مدريد خطٌ تفاوضي، كانت فيه منظمة التحرير العرّاب الذي يدير المفاوضات، دون جلوسٍ على مائدتها، ولأنَّ ذلك لم يُرضِ عرفات صاحب المكانة المتكرسة في قيادة الشأن الفلسطيني من ألفه إلى يائه، افتُتح خطٌ تفاوضي موازٍ أنتج اتفاقات وتفاهمات أوسلو، التي أحدثت انقلاباً أكثر وضوحاً وعمقاً في الأولويات. فإذا كان تجميد دور السلاح يتمّ في سياق تكتيكاتٍ تُقدِم عليها القيادة الفلسطينية، فإنَّ إنهاء دوره تمّ باتفاقٍ رسمي مباشرٍ مع الإسرائيليين، وبرعاية إقليمية ودولية شاملة.

لم يحسبِ الفلسطينيون بقدرٍ كافٍ من الدقة، أنَّ الاتفاق الذي تمَّ مع الإسرائيليين في أوسلو، كان من الضعف والهشاشة ما يجعله غير قابلٍ للحياة، وذلك بحكم الانقسام الإسرائيلي عليه، وعدم وجود ضماناتٍ أميركية تمنع أي تغييرٍ في القيادة وصنع القرار في إسرائيل، من التراجع عنه وإلغاء كل ما بُني عليه.

حين بدا واضحاً -بل ومحسوماً- أمر فشل أوسلو، وُلد مناخٌ ذهب فيه الفلسطينيون والإسرائيليون من جديد إلى العمل المسلح. وبالنسبة للفلسطينيين كانتِ العودة إلى السلاح كما قدّرت قيادتهم ضرورة لاستعادة المسار الأصلي لأوسلو؛ حيث الدولة الفلسطينية الموعودة يمكن أن تعود إلى الحياة، بينما الوضع الجديد في إسرائيل بقيادة شارون- نتنياهو، وبعد تصفية رابين، كان يسعى ويعمل لنسف التجربة من أساسها.

رعاة أوسلو الدوليون -وعلى رأسهم الإدارات الأميركية- لم يستطيعوا كبحَ جماح شارون- نتنياهو؛ بل إنَّهم لم يبذلوا جهداً كافياً في هذا الاتجاه، ما أدّى إلى دخول تجربة السلام إلى نفقٍ مظلمٍ لم تخرج منه حتى الآن.

جرت محاولاتٌ جدية عديدة لإنقاذ الحل التفاوضي من الانهيار النهائي، وعُقدت فعالياتٌ كبرى لهذا الهدف، أهمهما كامب ديفيد كلينتون، وبعدها أنابوليس بوش، وفي السياق ذاته تفرّغ وزير الخارجية الديمقراطي جون كيري للعمل على مسار الإنقاذ؛ إذ لم يكن له من عملٍ غير هذا. وبعد سنة من جولات مكوكية متواصلة، بين الفلسطينيين والإسرائيليين ومن يلزم من العرب، أعلن الرجل إفلاسَه، محمّلاً المسؤولية لإسرائيل التي لم تستجب لمساعيه.

شكره الفلسطينيون على شهادته رغم أنَّها غير مجدية، لتتصدّر المشهد فيما بعد حركة «حماس»؛ حيث بنَت مساراً قتالياً على أنقاض مسار التسوية المنهار، وصار لدى الفلسطينيين خياران وشرعيتان وأولويتان.

لستُ في هذه المقالة أؤرخ لتفاصيلِ مرحلة هي الأخطر والأدق والأفدح في تاريخ القضية الفلسطينية، فهذا أمرٌ سيظلّ المحللون والمؤرخون يكتبون عنه على مدى عقود، ولكنّني أشير إلى أفدح انقلابٍ في الأولويات أصاب قطبَي الحياة السياسية الفلسطينية، وقد فُرض عليهما بقوة الطرف الآخر الذي أجاد استغلال الانقسام الفلسطيني والإفادة منه للإجهاز على أجندات الطرفين.

السلطة في الضفة بعد أن بدا أنَّها وقفت على مرمى حجرٍ من الدولة، تجاهد الآن بصعوبة بالغة للدخول إلى اللعبة الجارية ولو من أبوابها الخلفية. وسلطة الأمر الواقع في غزة تتحرّك في ممراتٍ ضيقة للحصول على مخرجٍ، أقصاه الحفاظ على بعض دورٍ في غزة، وبعض سلاحٍ لا يتجاوز البندقية والمسدس، وإن أمكن بعض ضماناتٍ لنجاة القادة من الملاحقة والتصفية.

بعد بلورة خلاصاتٍ يقينية كهذه، وتراجعٍ معترفٍ ومقرٍّ به من قبل قطبَي الحياة السياسية الفلسطينية، فقد بقي ما يُراهَن عليه حقاً: الأول فلسطيني، وهو حتمية تحييد فشل الفصائل في خياراتها وأولوياتها وأدواتها، وهذا يتطلَّب عودة الجميع إلى المكان الصحيح الذي ينتج قيادة جديرة وقادرة، وهو الشعب الفلسطيني. وكذلك الرهان على الجهد العربي والإسلامي والدولي الذي أجمع على حتمية قيام الدولة الفلسطينية. ولأنَّ الشعوب المناضلة من أجل حريتها واستقلالها بحاجة إلى قيادة تنبثق من داخلها، فلا مناص من أن تكون الشعوب هي منتجة هذه القيادة.

أخيراً... وبعد عقودٍ من تجربة كفاحية غنية، ومليئة بالنجاحات والإخفاقات، فقد آن الأوان لاعتناق المبدأ الذي يقول: للفصائل وقت، وللشعوب وخياراتها كلّ الوقت.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد