: آخر تحديث

الظهران سكينة المكان وعمق الانتماء

4
3
5

مدينة الظهران ليست مجرد نقطة على خارطة المملكة العربية السعودية، بل حكاية هادئة تروى على مهل، وذاكرة تتفتح كلما مر بها العابر أو عاد إليها المقيم، هي مدينة تعرف كيف تترك أثرها دون ضجيج، وكيف تحفر مكانها في القلب قبل أن تدركها العين.

تقع الظهران في قلب المنطقة الشرقية، كأنها عقلها الهادئ وروحها المتزنة، مدينة نشأت على فكرة، ونمت على رؤية، وتشكلت ملامحها على مهل، دون استعجال أو ادعاء، ولهذا تحديدًا اكتسبت خصوصيتها، فهي ليست مدينة صاخبة، ولا تركض خلف المظاهر، بل تمشي بخطى واثقة، تعرف من تكون، وتكتفي بذلك.

ما يميز الظهران هو هذا التوازن العجيب بين الحداثة والسكينة. شوارعها منظمة، أحياؤها متناسقة، ومساحاتها الخضراء تمنحك إحساسًا أن المدينة تتنفس معك، حين تسير فيها تشعر أن الزمن يبقى معك، وأن التفاصيل الصغيرة لها قيمة، ظل شجرة، مقعد هادئ، طريق نظيف، وسماء تبدو أقرب مما هي عليه في المدن المكتظة.

الظهران مدينة علم وفكر بامتياز، فيها وعي ثقافي متراكم، ومناخ يحترم المعرفة، ويقدر التعليم، ويمنح العقل مساحته. ليست مدينة طارئة على المشهد الوطني، بل هي من المدن التي أسهمت في تشكيل العمق الاقتصادي والفكري للمملكة، وارتبط اسمها بمشروعات، ورؤى بعيدة المدى، جعلتها حاضرة في الوجدان الوطني حتى وإن بدت بعيدة عن الأضواء.

سكانها، هم جزء أصيل من جمالها، مزيج لطيف من البساطة والرقي، من الانفتاح والاحترام. في الظهران؛ تشعر أن الناس يعرفون كيف يعيشون معًا بهدوء، وكيف يحفظ كل منهم مسافة إنسانية راقية مع الآخر. لا صخب في العلاقات، ولا تعقيدا، بل ود غير متكلف، وابتسامة صادقة، وشعور عام بالأمان والطمأنينة.

الهدوء في الظهران ليس فراغاً، بل امتلاء بالمعنى، بالاستقرار، وبإحساس نادر بأنك في مكان يسمح لك أن تكون نفسك. هي مدينة صالحة للعيش طويلًا، للتأمل، لتربية الذكريات، وللعودة.. فالعودة إليها تشبه الرجوع إلى بيت قديم ما زال يحتفظ برائحة أهله.

ولعل أجمل ما في الظهران أنها لا تحاول أن تُبهرك، لكنها تفعل. لا تفرض نفسها عليك، لكنها تستقر فيك. مدينة كلما ابتعدت عنها أدركت قيمتها، وكلما عدت إليها شعرت أنك لم تغادرها حقاً.

الظهران مدينة تعرف الوفاء، وتكافئ من يسكنها بالطمأنينة، ومن يغادرها بالحنين، ومن يعود إليها بشعور عميق أن بعض المدن لا تُنسى.. لأنها ببساطة، تشبه الوطن الصغير داخل الوطن الكبير.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد