: آخر تحديث

وفجأة سمع المعتصم استغاثة أهل غزة

3
2
4

وفجأة، في ليلٍ غزّيٍّ ثقيل، سمع المعتصم استغاثة أهل غزة. لم يكن الصوت صريحًا، ولا الرسالة مكتوبة، بل كان حلمًا تسلّل إلى طفل نام بين أنقاض منزله، واضعًا رأسه على حجر لا يعرف النوم. لم يكن الطفل مؤرّخًا، ولا خطيبًا، لكنّه كان يحمل في لاوعيه حكاية قديمة سمعها ذات يوم: أن امرأة صاحت "وامعتصماه"، فارتجّ لها عرش، وسارت جيوش، وسقطت عمّورية، لأن الكرامة حينها كانت دولة.

في الحلم، جاء المعتصم. لم يأتِ مدجّجًا بالسيوف فقط، بل محاطًا بالمعنى. دخل غزة كما لو أنّها مدينة تعرفه منذ زمن، صافح الأحياء، وطمأن الأموات، وقال للأمهات إنّ الليل لا يُخلَّد، وإنّ الظلم مهما طال لا يصير قدرًا. في ذلك الحلم، لم تكن غزة خبرًا عاجلًا، ولا رقمًا في تقرير، بل مدينة محميّة، لأنّ أحدًا ما سمع النداء.

صرخ الطفل بكلّ ما بقي في صدره من خوف وأمل:

وامعتصماه وامعتصماه.

فأجابه الحلم، ونام القلب مطمئنًا.

ظنّ الطفل، للحظة بريئة، أنّ التاريخ لا يزال يعمل. وأنّ الذاكرة العربيّة، مهما شاخت، لا تزال قادرة على النهوض إذا دُعيت باسمها الحقيقي. ظنّ أنّ الاستغاثة ليست فعل ضعف، بل اختبار للسّامعين، وأنّ من يسمع ولا يجيب يسقط من المعنى قبل أن يسقط من السلطة.

لكن غزة لا تطيل الأحلام.

استيقظ الطفل بعد ساعة، فاختفى المعتصم، كما تختفي المعاني الكبيرة حين تُستدعى في زمن لا يؤمن إلّا بالقوّة العارية. لم يجد سوى سماء ملبّدة، وغبار، وصمت يشبه العجز. منزله كان ركامًا، والحجر الذي نام عليه صار كلّ ما تبقّى له من جغرافيا. أمامه كان معبر رفح مقفلًا، لا كحدّ سياسي فقط، بل كرمز لانسداد العالم حين يُستدعى الضمير.

نهض الطفل، نظر حوله، ثم أعاد النداء، لكن بصوت أكثر وعيًا وأقلّ براءة:

وامعتصماه وامعتصماه.

هذه المرّة، لم يكن هناك حلم يجيبه. ذهب الصوت في الريح، كأنّه اعتذار متأخّر من التاريخ عن نفسه.

ليس السؤال أين المعتصم، فالرجل مات منذ قرون. السؤال الأعمق: متى مات المعنى الذي كان يمثّله؟ متى تحوّلت الاستغاثة من فعل يهزّ العروش إلى صدى لا يتجاوز الحناجر؟ متى صار الدم الفلسطيني شأنًا مؤجّلًا، والوجع الغزّي تفصيلًا يمكن التعايش معه؟

غزة لا تطلب أن تُعاد كتب الفتوحات، ولا أن تنهض الجيوش من قبورها. تطلب فقط ألّا تُترك وحيدة وهي تُباد على مرأى العالم. أن لا تتحوّل إنسانيّتها إلى مادّة استهلاكيّة، تُستدرّ بها الدموع ثم تُطوى الصفحة. تطلب أن لا يُدار الوجه عنها باسم الواقعيّة، ولا يُبرَّر صمت القادرين بحجج العجز المصنوع.

الطفل لم يكن ينادي خليفة عبّاسيًا، بل كان ينادي ضميرًا عربيًا ظنّ، ولو للحظة، أنّه ما زال حيًا. كان ينادي فكرة بسيطة: أن تكون للكرامة قيمة، وللدم حدّ، وللصمت ثمن أخلاقي لا يمكن الهروب منه.

في الماضي، كان "وامعتصماه" حدثًا سياسيًا وأخلاقيًا.

في غزة اليوم، صار "وامعتصماه" سؤالًا معلّقًا في الفراغ، لا يجد من يوقّعه موقفًا.

ومع ذلك، لا يزال الطفل ينادي. ليس لأنّه ينتظر معجزة، بل لأنّه يرفض الهزيمة الداخليّة. لأنّ الصمت، في غزة، موت إضافي، ولأنّ النداء، ولو لم يُجب، يثبت أنّ الضحيّة ما زالت إنسانًا، لا رقمًا.

ربّما لن يأتي المعتصم، وربّما لن تأتي الجيوش. لكن الأخطر من كلّ ذلك أن نعتاد هذا الغياب، وأن نقبل بأن تتحوّل غزة إلى اختبار فاشل للأخلاق العربيّة، لا إلى جرح يستدعي العلاج.

غزة لا تزال هناك، تنادي من تحت الركام، لا تطلب المستحيل، بل تطلب الحدّ الأدنى من الوفاء: أن لا يتحوّل التاريخ إلى شاهد زور، ولا الحاضر إلى شريك بالصمت. تنادي لأنّ النداء، حتّى حين لا يُجاب، يفضح من سمع ولم يتحرّك، ويذكّرنا بأنّنا كنّا يومًا أمّة إذا صِيح باسمها، أجابت.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.