: آخر تحديث

الشيخ علي الناصر السلمان... أثرٌ باقٍ وعطاءٌ مستدام

3
3
2

في وداع الشيخ علي الناصر السلمان رحمه الله، لا نودّع عالِم دين فحسب، بل نودّع نموذجًا نادرًا لرجلٍ جمع بين العمق الفقهي، وسعة الخُلُق، وحكمة الإدارة، وصدق الانتماء لوطنه ومجتمعه. لقد كان وجهه البشوش يسبق كلماته، وكانت مبادرته إلى الخير تسبق أي طلب أو تردّد، حتى غدا اسمه مقترنًا بالعطاء الهادئ المستدام، لا بالضجيج ولا بالاستعراض.

عرفه الناس في المنطقة الشرقية، في الدمام والقطيف والأحساء، وكيلًا عامًا للمرجعيات الدينية العليا في النجف الأشرف، ممثلًا للسيد الخوئي ثم للسيد السيستاني لأكثر من نصف قرن. غير أنَّ الوكالة الشرعية عنده لم تكن منصبًا إداريًا، بل تكليفًا أخلاقيًا ومسؤولية اجتماعية. فهم الخمس بوصفه أمانة، لا تُصرف بعجلة، ولا تُهدر في حلول مؤقتة، بل تُدار بعقلية استثمار الخير، ليبقى أثره ممتدًا في الزمن.

من أبرز ما يميّز تجربة الشيخ علي الناصر السلمان إيمانه العميق بأن العطاء الحقيقي هو الذي يُبنى داخل الوطن، ويخدم الإنسان حيث يعيش، ويقوّي المجتمع بدل أن يخلق تبعية أو هشاشة. لذلك تبنّى تأسيس ودعم الحوزات العلمية، وفي مقدمتها حوزة الأحساء وحوزة الإمام جعفر الصادق في سيهات، مؤمنًا بأن التعليم الديني الرصين هو أساس الوعي والاستقرار الاجتماعي.

كما كان له باع طويل في دعم المشاريع الصحية، من مراكز الكشف المبكر عن السرطان إلى المراكز الصحية في القطيف، إضافة إلى بناء المساجد ورعاية الأنشطة الدينية والاجتماعية. ولعل تجربة سابقة لعدد من وكلاء المرجع في دعم المبادرة الاقتصادية الخيرية من خلال المساهمة في صندوق مئوية القطيف، تمثل مثالًا متقدمًا على كيفية توظيف أموال الخمس بما يحقق مقاصد الشريعة وروح العصر معًا. قروض حسنة تُمنح لأصحاب المشاريع من خلال صندوق فرعي، وأموال تُستثمر داخل المجتمع لتدور في عجلته الاقتصادية، وتضمن ديمومة الصرف على مستحقيه. وقد جاءت مباركة المرجع السيد علي السيستاني لصرف الأخماس في البلد ولمشاريع من هذا النوع تأكيدًا على مشروعية هذا المسار ورجحانه.

إنَّ إبراز ما يقوم به رجال الدين الشيعة، أمثال الشيخ علي الناصر السلمان وغيره الكثير، يحتاج إلى الانتقال من الجهود الفردية الصامتة إلى المأسسة الواعية، تقارير مالية دورية، شفافية في الموارد والمصارف، حوكمة واضحة للصناديق، ومشاركة مجتمعية من متبعي المذهب الشيعي في الرقابة والتقييم. والتجربة التي عُرضت في ليلة رمضانية قبل عشرين عام أو أكثر في مجلس الشيخ حسن الصفار، باستعراض دخل الخمس ومصارفه، تمثل نموذجًا مهمًا لبناء الثقة وتعميق الوعي بدور هذه الأموال في التنمية.

رحم الله الشيخ علي الناصر السلمان، وواسى أهله ومحبيه، وجعل ما قدّمه في ميزان حسناته. سيبقى أثره شاهدًا ومؤكدًا أن رجل الدين الشيعي المذهب، قبل كل شيء، رجل وطن، وباني إنسان، وصانع أمل.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.