: آخر تحديث
معجزة أثرية تحت أشجار قرطبة

لؤلؤة الأندلس تعود للنور: الليزر يفك طلاسم "مدينة الزاهرة" الأسطورية بعد ألف عام من الاندثار

2
2
2

إيلاف من مدريد: كأنها استيقظت من سبات دام ألف عام، عادت "مدينة الزاهرة" الأندلسية الأسطورية لتتصدر المشهد العلمي والتاريخي، بعد أن نجحت ثورة تكنولوجية في فك طلاسم لغز استعصى على كبار علماء الآثار لقرون. ففي أعماق مقاطعة قرطبة الإسبانية، تمكن الباحث أنطونيو مونتيروسو تشيكا من تحديد الموقع الدقيق لـ "لؤلؤة الأندلس" المفقودة، وهي القلعة والمجمع القصري الذي اختفى تماماً من الخرائط والذاكرة.

تعود جذور هذه الدراما المعمارية إلى القرن العاشر الميلادي، حين كانت قرطبة تشع كعاصمة مزدهرة للخلافة. في ذلك التوقيت، قرر القائد العسكري واسع النفوذ، الحاجب المنصور، أن يترجم سطوته السياسية إلى حجر؛ فشيد "الزاهرة" في شرق قرطبة لتكون نداً مباشراً لـ "مدينة الزهراء"، المقر الرسمي للخليفة. لم يكن المنصور يبني مجرد مدينة، بل كان يصوغ بياناً سياسياً يجسد طموحه اللامحدود، حتى أنه منحها اسماً يشبه اسم مدينة الخليفة تحدياً له.

لكن، كما هي عادة الإمبراطوريات، لم يدم مجد "الزاهرة" سوى سبعة عقود. ففي عام 1001، عصفت بالأندلس حرب أهلية طاحنة التهمت في طريقها المدينة بأكملها، لتسقط في غياهب النسيان، تاركة خلفها مجرد روايات ومخطوطات باهتة، قادت الباحثين عبر العصور إلى صياغة 22 فرضية علمية فشلت جميعها في العثور على دليل ملموس واحد.

الليدار: العين التي تخترق التاريخ
الاختراق الحاسم الذي أورد تفاصيله موقع "شتيرن" الألماني، لم يعتمد على المعاول والحفريات التقليدية، بل على تقنية "الليدار" (LiDAR) الثورية. تعمل هذه التقنية كـ "عين خارقة"؛ حيث تُطلق طائرات مسيرة نبضات من أشعة الليزر نحو الأرض، لترتد موجاتها الضوئية إلى أجهزة استشعار تقيس زمن الانتقال بدقة متناهية.

هذه النبضات السريعة تمكنت من اختراق مظلات الأشجار الكثيفة والنباتات التي غطت الموقع لقرون، لتحلل انعكاسات التضاريس وتنتج خرائط ثلاثية الأبعاد فائقة الدقة للطبقات المخفية تحت الأرض. النتائج كانت مذهلة: هياكل قصر عملاق، وأسوار محصنة، وآثار نشاط بشري مكثف يطابق تماماً الأوصاف التاريخية للمدينة المفقودة. هذا الاكتشاف لا يعيد فقط جزءاً من ذاكرة الأندلس، بل يثبت أن تقنيات المسح الجيولوجي الحديثة باتت الأداة التي لا غنى عنها لنبش أسرار الماضي التي عجزت الحروب والطبيعة عن طمسها بالكامل.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات