1. صدام كان مجرماً دولياً، عرف بجرائمه ضد شعبه، وضد جيرانه، وعلى يده، وبيده، سقط مئات آلاف القتلى، إن لم يكن أكثر، من شعبه، وأضعافهم من شعبي الكويت وإيران، على مدى 35 عاماً. أما مادورو، النقابي السابق، المتواضع الخلفية، فقد وصل إلى الحكم بانتخابات صحيحة عام 2013، وبالرغم من كل ما شاب إعادة انتخابه من لغط، فإنه لم يقترف جرائم بحق شعبه، ولا بحق جيرانه.
2. مقارنة عملية خطف مادورو، والظروف التي تمت بها، بما تعرّض له صدام عام 2003 وما بعده، من القبض عليه ومحاكمته داخل العراق وإعدامه تالياً، أمر مخجل ومخل بالمنطق.
3. يقولون إن مادورو تسبّب في إفقار الشعب الفنزويلي، ومتناسين أن الإفقار لم يحدث إلا نتيجة العقوبات القاسية جداً، التي فرضتها أمريكا على فنزويلا، وهو الحصار نفسه الذي سبق أن فرض على العراق وسوريا، ولا يزال سارياً على إيران.
4. يقولون إن القانون الدولي وضع ليكون ضمانة للسلام، وإذا كان ذلك القانون وسيلةً يستغلها البعض لانتهاك حقوق البشر، هنا يجب تجاوز القانون الدولي لإعادة الأمور إلى نصابها بما يخدم حقوق الناس وسلامتهم! لكن لم يتبرع هؤلاء بتوضيح من المخول إعادة الأمور لنصابها؟ وكيف؟ وماذا لو تصدقت جهتان للقيام بالمهمة، فمن يقرر أي منهما؟
5. تناسى هؤلاء، كما جاء في رد للدكتور الاستشاري «فيصل الصايغ»، بتصرف، أن هدف أمريكا ليس إسقاط الدكتاتوريات، فهناك العشرات منهم، ولكنها معنية بإسقاط من تراه معارضاً لمصالحها، علماً بأن القانون الدولي صيغ أساساً لحماية الدول الصغيرة من هيمنة الأكبر منها. وبالتالي فإن قبول فكرة «تجاوز القانون لتصحيح الأوضاع»، كما يقترح البعض، يعني منح القوى العظمى تصريحاً مفتوحاً لغزو أي دولة بحجة «حماية الحقوق» أو «مكافحة التزوير»؟
6. من السذاجة الاكتفاء بالقول إن الكويتيين فرحوا بسقوط نظام صدام! كان لذلك الموقف سياقُهُ الخاص، إذ جاء بعد غزو واضح وتهديد خارجي مباشر لحياتهم وأمن وطنهم، أما حالة «مادورو»، فهي شأن داخلي فنزويلي بحت. والخلط بين الحالتين لتبرير التدخل الخارجي يعني تشريع انتهاك السيادة، وهو ما ترفضه كل المواثيق الدولية، بغضّ النظر عن طبيعة الحاكم.
7. من المؤلم قراءة من يدّعون الفهم، بضرورة تجاوز القانون الدولي، عندما يُستغل لانتهاك الحقوق، فهذا منطق أخرق وخطير، لأن القوى الكبرى ستبرر دائماً تدخلاتها بحجج أخلاقية تصطنعها لتغطية مطامعها. فأمريكا، التي أسقطت صدام بدعوى «نشر الديموقراطية»، تركت العراق غارقاً في الدماء، وهي نفسها تدعم أنظمة دكتاتورية أخرى. ولو قررت تلك القوة إزالتها جميعاً، لأدى ذلك إلى بحار من الدماء، لكن يبدو أن الأمر لا يعني تلك القوى متى ما كانت تلك الدول فقيرة، أو بعيدة، ولا تشكل خطراً على أمن أمريكا؟
8. إن القمع وتدهور الاقتصاد في فنزويلا جريمة يجب أن يُحاسَب عليها النظام من قبل شعبه، الذي يملك الحق في ذلك، أو عبر آليات قانونية دولية، مثل المحكمة الجنائية الدولية، أو عقوبات الأمم المتحدة. أما قيام دولة عظمى، دأبت على التصريح بأطماعها في ثروات فنزويلا، بخطف رئيسها وزوجته فهو عمل يُعدُّ نوعاً من القرصنة، تجعل العالم بأسره غابة يحكمها الأقوى.
9. إن الدفاع عن القانون الدولي ليس دفاعاً عن «مادورو» أو غيره، بل هو دفاع عن الدرع الوحيدة التي تحمي الدول الصغيرة من أن تتحول إلى أوراق في صراعات الكبار. فالمبدأ لا يتجزأ: إما قانون دولي يُحترم، أو فوضى يدفع ثمنها الجميع.
أحمد الصراف

