تؤكد نتائج الميزانية العامة للدولة للربع الثاني والنصف الأول من العام 2026 على استمرار قوة ومتانة المركز المالي للمملكة، ومواصلة الحكومة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والمالية في إطار رؤية السعودية 2030، بما يُعزز الاستدامة المالية ويدعم النمو الاقتصادي المستدام.
وعلى الرغم من التحديات الاقتصادية التي يشهدها الاقتصادان الإقليمي والعالمي، وما فرضته الاضطرابات الجيوسياسية والحروب التجارية وتصاعد النزعات الحمائية من ضغوط، فقد أثبتا الاقتصاد السعودي والمالية العامة للدولة مرونة عالية في التعامل مع هذه المتغيرات. وقد انعكس ذلك بوضوح في النتائج المالية للربع الثاني والنصف الأول من عام 2026. فعلى سبيل المثال، ارتفع إجمالي الإيرادات خلال الربع الثاني إلى نحو 338.8 مليار ريال، بزيادة قدرها 12 % مقارنة بنحو 301.6 مليار ريال في الفترة نفسها من عام 2025، فيما بلغ إجمالي الإنفاق نحو 373.1 مليار ريال، بارتفاع بلغت نسبته 11 % مقارنة بـ 336.1 مليار ريال في الربع الثاني من العام السابق، ليسجل عجز الميزانية نحو 34.3 مليار ريال.
ويعكس هذا العجز نهجًا ماليًا مدروسًا، نتج عن استمرار الحكومة في تمويل الاستراتيجيات الوطنية والمشروعات التنموية التي تدعم تسريع وتيرة التنويع الاقتصادي، مع المحافظة على الاستدامة المالية وتعزيز النمو، وذلك في إطار التخطيط المالي متوسط وطويل الأجل.
وقد ساهمت كل من الإيرادات النفطية وغير النفطية في تحقيق النمو الملحوظ في إجمالي الإيرادات خلال الربع الثاني من العام 2026. فقد ارتفعت الإيرادات النفطية إلى نحو 185.1 مليار ريال، بزيادة قدرها 22 % مقارنة بنحو 151.7 مليار ريال في الفترة نفسها من عام 2025، مدعومة بتحسن أداء القطاع النفطي. وفي الوقت نفسه، واصلت الإيرادات غير النفطية مسارها التصاعدي، مسجلة نحو 153.7 مليار ريال، بارتفاع بلغت نسبته 3% مقارنة بنحو 149.9 مليار ريال في الربع الثاني من العام الماضي، بما يعكس استمرار نجاح جهود تنويع مصادر الدخل وتعزيز الاستدامة المالية، تماشيًا مع مستهدفات الرؤية السعودية 2030.
ومن أبرز المؤشرات التي تعكس توجهات السياسة المالية الحكيمة للدولة، استمرار تعزيز الإنفاق على المنافع الاجتماعية، الذي ارتفع خلال الربع الثاني من عام 2026 بنسبة 8 % ليصل إلى أكثر من 42.5 مليار ريال، مقارنة بنحو 39.2 مليار ريال في الفترة نفسها من عام 2025. ويؤكد هذا الارتفاع استمرار الحكومة في دعم البرامج الاجتماعية والحفاظ عليها، بوصفها إحدى الركائز الأساسية للسياسات التنموية، بما يعكس حرصها على تعزيز الحماية الاجتماعية وتحسين جودة الحياة، بالتوازي مع تنفيذ برامج الإصلاح الاقتصادي.
وامتد هذا التوجه إلى قطاعي الصحة والتنمية الاجتماعية، حيث ارتفع الإنفاق عليهما خلال النصف الأول من عام 2026 بنسبة 10 % ليبلغ نحو 170.6 مليار ريال، مقارنة بـ 155.8 مليار ريال في الفترة نفسها من عام 2025، والذي يعكس نهج الدولة القويم في جعل المواطن السعودي محورًا رئيسيًا للتنمية.
وعلى صعيد سوق العمل، فقد شهد سوق العمل في الربع الأول من عام 2026 تحسنًا ملحوظًا في أعداد المشتغلين السعوديين في القطاع الخاص، ليصل إجمالي المشتغلين السعوديين في القطاع الخاص إلى نحو 2.6 مليون مشتغل مما يعزز من النظرة الإيجابية خلال الفترة المنظورة. كما وانخفض معدل البطالة بين السعوديين في الربع الأول من العام 2026 ليصل إلى مستويات تاريخية، حيث وصل إلى 6.4 %، مقارنة بـ 7.2 % في الربع الرابع من العام 2025، والذي يُعزى إلى استمرار زخم الإصلاحات في سوق العمل وتعزيز النمو بالأنشطة الاقتصادية خلال الفترة المنظورة.
وفي قطاع الأعمال، ارتفع عدد المنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة خلال الربع الأول من عام 2026 بنسبة 13.8 % مقارنةً بالفترة نفسها من عام 2025، ليصل إجمالي عدد المنشآت إلى 1.811 مليون منشأة، والذي يعكس بدوره أثر التحولات الهيكلية التي يشهدها الاقتصاد السعودي، ودورها في تعزيز تنوع القاعدة الإنتاجية، وزيادة فرص العمل، ودعم نمو القطاع الخاص.
كما وحقق الائتمان المصرفي الممنوح للقطاع الخاص نموًا سنويًا بلغ نحو 6.7 % بنهاية شهر مايو 2026 مقارنةً بالفترة نفسها من عام 2025، وهو ما يعكس اتساع نطاق الأنشطة الاقتصادية للقطاع الخاص وتعاظم دوره في دعم النمو الاقتصادي.
كما وارتفع إجمالي الأصول الاحتياطية بالنقد الأجنبي بنهاية شهر مايو 2026 بنسبة 8.4 % مقارنةً بالفترة نفسها من عام 2025، ليبلغ نحو 1.831 تريليون ريال. ويعزى هذا الارتفاع إلى نمو الاستثمارات في الأوراق المالية بالخارج بنسبة 13.7 %، مما يعكس متانة المركز المالي للمملكة وكفاءة إدارة احتياطياتها الأجنبية.
وفي المحصلة النهائية، تؤكد هذه المؤشرات متانة الاقتصاد السعودي واستمرار قدرته على تحقيق نمو اقتصادي مستدام في ظل الإصلاحات الاقتصادية الجارية، بما يسهم في تنويع القاعدة الاقتصادية، وزيادة مساهمة القطاع الخاص في التنمية، وتعزيز الاستقرار المالي والنقدي. كما وتبرز هذه النتائج فاعلية السياسات الاقتصادية في ترسيخ أسس النمو المستدام، بما يتوافق مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، ويعزز تنافسية الاقتصاد الوطني على المستويين الإقليمي والدولي.

