عبدالعزيز الكندري
حين استقلت سنغافورة عام 1965، كانت جزيرة فقيرة الموارد، وهي أصغر من جزيرة بوبيان الكويتية ومساحتها 890 كيلومتراً مربعاً بينما سنغافورة 734 كيلومتر مربعاً، وتعد البلد الأصغر في جنوب شرقي آسيا، وتسلم زمام الأمور فيها بعد هذا التاريخ لي كوان يو، ليجد المشاكل التي لا تعد، كالبطالة والفساد الإداري وأزمة السكن، إضافة إلى شعب خليط من مختلف الأعراق والأجناس من الصين والهند، وليس لديها سوى موقعها الجغرافي على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وخلال أقل من جيلين، تحولت إلى واحدة من أعلى دول العالم في نصيب الفرد من الناتج المحلي، وأقلها فساداً، وأكثرها انفتاحاً على الاستثمار والتجارة العالمية.
أما إيران، على النقيض، تمتلك كل ما افتقرته سنغافورة، مساحة شاسعة، وثروة نفطية وغازية من الأضخم عالمياً، تنوعاً زراعياً ومعدنياً، وقاعدة بشرية متعلمة نسبياً. ومع ذلك، تعيش اليوم أزمة اقتصادية من الأعمق في تاريخها الحديث، وتضخم تجاوز في بعض القراءات حاجز 80 % خلال عام 2026، وانهيار متكرر للعملة، والعقوبات الدولية المفروضة عليها، وانكماش في الناتج المحلي الحقيقي. فما الذي يفسّر هذا التباين الصارخ بين دولة عديمة الموارد ودولة غنية بها؟
إن الدرس المركزي في التجربة السنغافورية هو أن الثروة الطبيعية ليست شرطاً للتنمية، بل قد تكون عبئاً حين تُدار بمنطق سياسي لا اقتصادي «لعنة الموارد»، فقد بنى لي كوان يو، نموذج حكمه على أربع ركائز متكاملة: البراغماتية الاقتصادية المطلقة والانفتاح الكامل على الاستثمار الأجنبي ورأس المال العالمي، ومكافحة الفساد بصرامة استثنائية عبر مؤسسات مستقلة، والاستثمار الهائل في التعليم والكفاءة المؤسسية بدلاً من الولاء السياسي.
إيران، في المقابل، بنت اقتصادها حول منطق مختلف جذرياً، الاقتصاد موجَّه لخدمة مشروع سياسي وعقائدي إقليمي وتنمية وتغذية الميليشيات في الدول العربية، وتهيمن مؤسسات شبه عسكرية واقتصادية موازية على قطاعات واسعة من الاقتصاد بمعزل عن آليات السوق التنافسية.
أما الأثر على المواطن الإيراني فهو يتحمل اليوم الكلفة المباشرة لهذا النموذج: تآكل حاد في القوة الشرائية مع تسارع التضخم، وصعوبة متزايدة في الادخار أو التخطيط المالي متوسط المدى، وهجرة متصاعدة للكفاءات والعقول الإيرانية المتعلمة نحو أوروبا وأميركا الشمالية بحثاً عن فرص لا تتوفر محلياً.
في المقابل، يعيش المواطن السنغافوري واقعاً معيشياً من الأعلى عالمياً من حيث الدخل والخدمات العامة: نظام تعليمي وصحي يُصنف بين الأفضل عالمياً، وملكية سكنية واسعة عبر برنامج الإسكان الحكومي الذي غطى غالبية السكان، وبيئة أعمال تُصنف باستمرار من الأكثر تنافسية وشفافية في العالم.
وهنا يكمن التحول الأكثر عمقاً وربما الأصعب سياسياً. فالنموذج السنغافوري قائم على مبدأ «الجوار الرابح للجميع»: سنغافورة لم تبنِ نفوذها الإقليمي عبر أذرع مسلحة كما فعلت طهران أو مشاريع أيديولوجية عابرة للحدود، بل عبر شبكة مصالح اقتصادية متبادلة مع جيرانها، جعلت استقرارها واستقرارهم مصلحة مشتركة لا صفرية.
ويكمن الفارق الأعمق بين النموذجين السنغافوري الذي بُني على تخطيط مؤسسي يمتد لعقود، بمعزل نسبي عن التقلبات السياسية قصيرة المدى، عبر مؤسسات تخطيط اقتصادي قوية ومستقلة تقنياً. أما الاقتصاد الإيراني فيُدار غالباً بمنطق «إدارة الأزمة» قصيرة المدى (كيفية تجاوز موجة العقوبات المقبلة أو موجة التضخم الحالية)، وهو ما يُصعّب أي تخطيط تنموي إستراتيجي متسق عبر السنوات.
لو تبنت إيران أفق التخطيط السنغافوري، فإن الأولويات التنموية المتوقعة كانت لتشمل: تنويعاً حقيقياً للاقتصاد بعيداً عن الاعتماد شبه الكامل على عائدات النفط، واستثماراً في التصنيع التكنولوجي المتوسط والعالي القيمة المضافة بدلاً من الاقتصاد الريعي، وبناء صناديق ثروة سيادية تراكمية للأجيال القادمة بدلاً من إنفاق العائدات النفطية في سنة استخراجها، وشراكات تعليمية وبحثية دولية توسّع قاعدة الابتكار المحلي.
إن الثروة الطبيعية لا تصنع الرخاء من تلقاء نفسها، وأن نموذج الحكم، شفافيته، وأفق تخطيطه هو المتغير الحاسم في تحويل الموارد إلى تنمية حقيقية ملموسة في حياة الأفراد. وبقدر ما يبدو هذا الدرس بديهياً نظرياً، يبقى تطبيقه الأصعب دوماً حين تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الحسابات السياسية والأيديولوجية العميقة الجذور.

