: آخر تحديث

أخلاقيات بيرنيز وفرويد

1
2
2

أصدر إدوارد بيرنيز كتابه الشهير بروباغندا Propaganda، المتعلق بالسيطرة على العقل الجمعي للجماهير، عام 1928، شرح فيه كيفية استخدام علم النفس والعلاقات العامة لتوجيه سلوك الجماهير غير الواعية، من خلال التلاعب بالرغبات والغرائز الباطنة بدلاً من المنطق الواعي، ويؤكد أن الجماهير غير قادرة على اتخاذ قرارات عقلانية، لذا يجب «هندستها» عبر قادة الرأي والإعلام لخدمة مصالح الحكومة أو النخبة، ويرى أن أساليب السيطرة تكون عن طريق التأثير غير المباشر، من خلال استخدام «طرف ثالث»، مثل الخبراء، المحللين، والمشاهير، لتبرير الرسائل المطلوب ترويجها أو منعها، كما في حملته الشهيرة الهادفة لنشر عادة التدخين بين النساء عام 1929، وربط ذلك بالحرية الشخصية، وتحويل الاستهلاك، بمختلف أنواعه، إلى «حاجة اجتماعية»، ويبرز هنا دور الإعلام في تحويل الأخبار إلى أداة دعائية للسيطرة على الإدراك الجماعي، دون علم الجمهور، أو المتلقي.

كما اكتشف بيرنيز، وهو ابن أخ عالم النفس الأشهر فرويد، أن الأمريكيين يفطرون خفيفاً، فسعى وحصل على تأييد مشاهير الأطباء لتأكيد أن الإفطار الدسم أفضل صحياً، ثم نشر قصصاً إعلامية تربط القهوة بتناول لحوم مقددة، أو «بيكون»، مما زاد، بشكل كبير، من استهلاك ما روّج له، كما ساهم في عمل «لجنة الإعلام الحكومية»، وبرنامج «رجال الدقائق الأربع»، حيث يقوم آلاف المتطوعين بإلقاء خطب قصيرة لتعبئة الرأي العام ضد ألمانيا، وترويج بيع صكوك الحرب، فنتجت عن ذلك زيادة التبرعات لتغطية تكاليف الحرب.

كما ساهمت دعايته في إسقاط حكومة غواتيمالا، عام 1954، من خلال «شركة الفاكهة المتحدة»، الأمريكية الاحتكارية، عن طريق تشويه صورة الرئيس أربنز، ووصفه بالشيوعي، مما أدى إلى الانقلاب عليه، بدعم من الحكومة الأمريكية. وبيّن عمل بيرنيز قوة البروباغندا السياسية والتجارية، ونجح في تحويل كتابه من مجرد كتاب حول العلاقات العامة، إلى علم استراتيجي يعتمد على علم النفس، لتوجيه الرأي العام والسلوكيات الجماعية، وساهم بذلك في ظهور طبقة «مستشاري العلاقات العامة»، كونهم أداة أخلاقية لتنظيم المجتمعات الديموقراطية المعقدة عبر التأثير على العقل الباطن، كما أدخل استخدام الاستطلاعات والدراسات السلوكية لفهم الرغبات اللاواعية، وهو أساس حملات اليوم، مثل التسويق الرقمي على وسائل التواصل، وتغيير ثقافة الاستهلاك، بتحويل المنتجات إلى رموز اجتماعية، كما في حملاته للترويج للتبغ، وهذا ما نراه اليوم في التسويق العاطفي للعلامات التجارية، كما أثرت طريقته في الحملات الانتخابية، من خلال استخدام المشاهير والخبراء، في توجيه الانتخابات والدعاية السياسية.

أثار الكتاب مخاوف جمة من التلاعب الجماعي بآراء ومشاعر الناس، لكنه أسس لمعايير أخلاقية في العلاقات العامة، بالرغم من أنه طبّق مفهوم «الهو» (Id) عند فرويد، الذي يمثل الغرائز الأساسية، مثل الجوع والجنس، ليؤكد أن الجماهير تُحرَّك برغبات غير واعية ولا منطقية، ويجب «هندستها» عبر الرموز العاطفية بدلاً من الحجج المنطقية، مركزاً بشكل أساسي على غرائز الحياة، والليبيدو، لتسويق الرغبات الاستهلاكية والتوجيه العاطفي.

وقد استغلت اللوبيات، مثل «أيباك»، لسنوات طويلة، نظريات بيرنيز، للتأثير في الناخب الأمريكي.


أحمد الصراف


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد