: آخر تحديث

الخليج وسرديات الانهيار

1
1
1

لطالما قُدِّم الخليج، في الخطاب الإعلامي والسياسي، بوصفه "جزيرة استقرار" في محيط مضطرب. وهي صورة يفرضها الواقع، وقد تكرّست عبر سنوات طويلة من القيادة الرشيدة. لكن اللافت أن هذه الحقيقة، ما إن تتعرض لاختبار أو توتر، حتى تنقلب بعض الآراء سريعًا، ويحضر الحديث عن نهاية، وانكشاف، وانهيار وشيك.. وكأن المشهد لا يحتمل إلا حدّين متطرفين، لا منطقة بينهما.

الخليج ليس استثناءً خارج الجغرافيا، لكنه أيضًا ليس هشًا كما تُصوّره بعض القراءات الأسيرة لتصوراتها القديمة، تلك التي تتعامل مع أي تحدّ جديد بوصفه دليلاً على الهشاشة، لا كجزء طبيعي من عالم يعاد تشكيله باستمرار. متجاهلة أن ما يمر به الخليج اليوم ليس استثناءً، حيث واجهت دوله حروبًا مباشرة وغير مباشرة، من حروب الخليج إلى اضطرابات إقليمية ممتدة، ومرّت بأزمات اقتصادية حادة، أبرزها أزمة 2008، ثم جائحة كورونا وما رافقها من شلل عالمي. وقد انقشعت جميعها، وبقيت التجربة التراكمية في إدارة الأزمات والتكيّف معها.

كما أن بعض هذه القراءات لا تنطلق من معطيات الواقع وحدها، بل تتأثر أحيانًا بخلفيات نفسية وتجارب مختلفة، تجعل المقارنة مع النموذج الخليجي مشحونة بتراكمات الماضي وإخفاقات الحاضر.. غير أن ما يغيب عن كثير منها أن الاستقرار الخليجي لم يكن حالة طارئة أو نتيجة ظرف مؤقت، بل نتاج خيارات طويلة المدى، واستثمارات مستمرة في الإنسان والبنية التحتية والاقتصاد، إلى جانب بناء مؤسسات قادرة على امتصاص الصدمات.

والتحديات الاقتصادية والأمنية حالة طبيعية في بيئة دولية مضطربة، ولا توجد دولة أو منطقة في العالم محصّنة بالكامل من ارتدادات الصراعات الكبرى، لكن إدارة الأزمات هي ما يميز التجارب الخليجية عن غيرها. فهي مزيج من بناء داخلي متدرج، وتحالفات مدروسة، وقدرة على التكيّف مع التحولات. وهذه المعادلة هي التي مكّنته من تجاوز أزمات متعددة دون أن يفقد توازنه أو مساره.

لا يمكن إنكار أن البيئة الأمنية والاقتصادية تتغير، وأن معادلات الردع والحماية والاستقرار لم تعد كما كانت. لكن الفرق الجوهري يكمن في كيفية قراءة هذه التحولات، وكيفية التعامل معها بوصفها تحديات تُدار ضمن مسار طويل وواثق. وهذا ما يفصل بين تحليل يبحث عن الفهم، وآخر يقتات على سرديات الانهيار!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد