: آخر تحديث

البيعة التاسعة.. حين يتحول الطموح إلى مشروع وطن

6
6
6

إن الذكرى التاسعة للبيعة ليست مناسبة لاستذكار ما تحقق فقط، بل هي أيضاً فرصة للتفكير فيما ينتظر المملكة في السنوات المقبلة.. فالمشروعات الكبرى التي بدأت اليوم ليست سوى بدايات لمسار طويل من التحول الاقتصادي والاجتماعي..

في كل عام تمر ذكرى البيعة لسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لا تبدو وكأنها مجرد تاريخ يُستعاد في الذاكرة الوطنية، بل لحظة تأمل في مسار تحول عميق عاشته المملكة، وتحول معه وعي المجتمع وطموحه وحدود أحلامه. تسع سنوات مضت منذ تلك اللحظة التي بدأت فيها مرحلة مختلفة من التفكير والعمل، مرحلة لم تكتفِ بإدارة الواقع، بل قررت إعادة تعريفه.

ليست البيعة في بُعدها السياسي مجرد إجراء دستوري، بل هي علاقة ثقة بين القيادة والشعب، وفي التجربة السعودية خلال السنوات الأخيرة، تحولت هذه العلاقة إلى شراكة وطنية واسعة في مشروع نهضوي شامل. ومن هنا يمكن قراءة هذه الذكرى بوصفها محطة للتأمل في فكرة أساسية: كيف انتقلت القيادة من دور التوجيه التقليدي إلى دور الإلهام الذي يحفز المجتمع بأكمله على الحركة والمبادرة.

حين أعلن عن رؤية المملكة 2030 قبل أعوام، لم تكن مجرد خطة تنموية بالمعنى الاقتصادي الضيق، بل كانت إعلاناً عن فلسفة جديدة في إدارة المستقبل، فلسفة تقوم على الثقة بالإنسان السعودي أولاً، وعلى الإيمان بأن الطموح لا ينبغي أن يُقاس بما اعتدنا عليه، بل بما نستطيع أن نصنعه.

منذ ذلك الوقت، لم يعد المواطن السعودي ينظر إلى بلده باعتباره دولة مستقرة فحسب، بل باعتباره شريكاً في صناعة مستقبل عالمي، تغيرت لغة الحديث في المجتمع، وتبدلت مفردات الطموح، أصبح الحديث عن الابتكار والاقتصاد الجديد والتقنية والسياحة والثقافة جزءاً من الحياة اليومية، بعد أن كانت هذه المفاهيم تبدو بعيدة أو مؤجلة.

هذه التحولات لم تأتِ صدفة، بل كانت نتيجة رؤية قيادية واضحة ترى في الزمن فرصة يجب أن تُستثمر، وفي المجتمع طاقة يجب أن تُحرَّك، ومن هنا جاء التحول الأهم: لم يعد دور القيادة يقتصر على رسم الطريق، بل أصبح دورها أيضاً إلهام المجتمع للسير فيه بثقة.

في السنوات التسع الماضية، شهدت المملكة نماذج عديدة لهذا التحول، مشروعات كبرى غيرت شكل الاقتصاد، ومدن جديدة تعيد تعريف مفهوم التنمية، وقطاعات كاملة أعيد بناؤها لتواكب اقتصاد المستقبل، لكن ما هو أعمق من هذه المشروعات هو التحول في الوعي الوطني.

لقد أصبح المواطن السعودي أكثر إيماناً بقدرته على المبادرة وصناعة الفرص، لم يعد الانتظار ثقافة سائدة، بل أصبحت المبادرة قيمة وطنية، وهذا التحول في العقل الجمعي ربما يكون الإنجاز الأهم في هذه المرحلة.

فالنهضة الحقيقية لا تُقاس بالأرقام الاقتصادية أو بالمشروعات العمرانية فقط، بل تقاس أيضاً بمدى تغير طريقة تفكير المجتمع، حين يؤمن الناس بأن المستقبل يمكن صناعته، وأن الطموح ليس حلماً بعيداً بل خطة عمل يومية، فإن المجتمع يدخل مرحلة جديدة من النضج الحضاري.

وفي هذا السياق، يمكن فهم عبارة كثيراً ما تتردد في الخطاب الوطني خلال السنوات الأخيرة: "طموحنا عنان السماء"، هذه العبارة لم تعد مجرد شعار، بل أصبحت تعبيراً عن حالة نفسية جماعية يعيشها السعوديون اليوم، حالة من الثقة بأن ما كان يُظن مستحيلاً أصبح قابلاً للتحقق.

ولعل ما يميز هذه المرحلة أيضاً هو قدرتها على الجمع بين الأصالة والتجديد، فالمملكة وهي تنفتح على العالم اقتصادياً وثقافياً، لا تفعل ذلك على حساب هويتها، بل انطلاقاً منها، وهذا التوازن بين الجذور العميقة والطموح المستقبلي هو أحد أسرار نجاح التجربة السعودية في السنوات الأخيرة.

إن الذكرى التاسعة للبيعة ليست مناسبة لاستذكار ما تحقق فقط، بل هي أيضاً فرصة للتفكير فيما ينتظر المملكة في السنوات المقبلة، فالمشروعات الكبرى التي بدأت اليوم ليست سوى بدايات لمسار طويل من التحول الاقتصادي والاجتماعي.

العالم يتغير بسرعة غير مسبوقة، والتحديات الدولية تزداد تعقيداً، لكن التجربة السعودية في السنوات الأخيرة أثبتت أن امتلاك رؤية واضحة وإرادة تنفيذ قوية يمكن أن يحول التحديات إلى فرص.

ولهذا فإن أهم ما يمكن استخلاصه من هذه السنوات التسع هو أن القيادة حين تؤمن بقدرات شعبها، فإنها لا تكتفي بإدارة الحاضر، بل تصنع المستقبل معه، وهنا تحديداً يكمن الفرق بين التوجيه والإلهام، التوجيه يحدد المسار، أما الإلهام فيخلق الدافع الداخلي للسير فيه، والتجربة السعودية في عهد سمو ولي العهد قدمت نموذجاً واضحاً لهذا التحول؛ إذ لم يعد المواطن متلقياً للتغيير، بل أصبح جزءاً من صناعته.

وفي نهاية المطاف، تبقى ذكرى البيعة لحظة وطنية تتجدد فيها معاني الانتماء والمسؤولية المشتركة، فهي تذكرنا بأن النهضة ليست مشروع قيادة فقط، بل مشروع وطن كامل يؤمن بأن المستقبل يُبنى بالإرادة والعمل والطموح.

ومع دخول المملكة عقداً جديداً من التحول، يبدو أن الرحلة لم تبدأ بعد بكامل طاقتها، فالأفق مازال مفتوحاً، والطموح السعودي مازال في بداياته، وربما كان أهم ما تعلمه السعوديون في هذه السنوات التسع هو أن المستقبل ليس شيئاً ننتظره.. بل شيئاً نصنعه!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد