خالد بن حمد المالك
في مرحلة من مراحل حرب السودان بين الجيش الوطني وميليشيا الدعم السريع، أعلنت الحكومة السودانية عن قطع علاقاتها مع دولة الإمارات، متهمة (أبوظبي) بمساندة الدعم السريع في تمرده على الشرعية، وقتل المواطنين، وإحداث عدم الاستقرار في البلاد، مع تجويع الناس، وهدم منازلهم، وتجريف مقار المستشفيات والمدارس ودور العبادة.
* *
كان قرار قطع العلاقات الدبلوماسية صادماً، لأنه بُني على توثيق جرائم وإرهاب وفوضى وقتل تمارسها ميليشيا غير شرعية، وتُدعم من (أبوظبي)، وتبيّن لاحقاً أن الدعم لم يكن بالأسلحة المتطورة التي تفوق ما لدى الجيش، بما في ذلك الطائرات المسيّرة فقط، وإنما شمل الدعم تزويد الدعم السريع بمجموعة من المرتزقة الأجانب، تُدفع رواتبهم من أبوظبي.
* *
بهذه الحرب أُنهك السودان كثيراً بفعل موقف (أبوظبي) غير المسؤول، باعتبارها الطرف الخارجي الأكثر تورّطاً في دعم الميليشيات السودانية، كما تؤكده الوقائع الميدانية، والتقارير الحقوقية، والتحليلات الدولية، دون حساب للبعد الإنساني من (أبوظبي) نحو الشعب السوداني في هذا التدخل، بوصف (أبوظبي) هي الفاعل المباشر في هذه الأزمة، والأكثر تورطاً فيها.
* *
ولم يعد التدخل الإماراتي مجال شك، فـ(أبوظبي) وفق مصادر موثوقة، تقف خلف «الدعم السريع» وتقوم بتسليحها بأحدث المعدات القتالية، وتوفير الإمدادات اللوجستية، والمرتزقة الأجانب، ما عُد سبباً رئيساً ومباشراً في تفجير القتال الداخلي في السودان، وتحويله إلى حرب شاملة مفتوحة، وتحويل الوضع في البلاد إلى أسوأ كارثة إنسانية في التاريخ الحديث.
* *
تدخل (أبوظبي) المباشر في الحرب بدعمها للمليشيات المتمردة بالأسلحة المتطورة والمرتزقة الأجانب، مكّن قوّات الدعم السريع من توسيع رقعة سيطرتها، وفرض وقائع عسكرية بالقوة، على حساب مؤسسات الدولة الشرعية، ووحدة القرار الوطني، إلى جانب إطالة أمد الحرب، وتحويل السودان إلى ساحة للقتال، وإلى جعله في وضع معقد، ما كان ليحدث لولا المساندة المفتوحة من (أبوظبي) للميليشيا المتمردة.
* *
ومن تابع ما جرى من مجازر مروّعة في الفاشر، ومناطق واسعة من دارفور، سوف يتأكد له بأنها ليست أحداثاً معزولة، بل هي نتائج مباشرة لسياسات (أبوظبي) التي تقوم بتمكين الميليشيات بالسلاح، والغطاء السياسي، وتعطيلها لأي فرص حقيقية للحل السياسي، وبالتالي لا يمكن للدعم السريع أن ينخرط بجدية في مسار التسوية، طالما أنه يحصل على الدعم بهذا الحجم من (أبوظبي) ما يجعله يماطل في القبول بأي حل يخدم استقرار السودان.
* *
هذا النهج غير المسؤول من (أبوظبي) أدى إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، حيث القتل الجماعي، والتهجير القسري، وانهيار الخدمات الأساسية، وتحويل ملايين المدنيين إلى ضحايا الصراع الذي تغذيه (أبوظبي)، ليؤسس لاحقاً لمسار تفكيك للدولة، عبر القوة المسلحة، بدلاً من دعم الاستقرار، وفي هذا استخفاف بوحدة السودان وسيادته، ولا أدل على ذلك من تسليح الميليشيات، واستقدام المرتزقة الأجانب.
* *
ولا يمكن فصل مشهد الدمار في الفاشر عن مصدر القرار في (أبوظبي)، التي اختارت تغذية الحرب بدلاً من احتوائها، وهي من موّلت وسلّحت ومنحت الغطاء لاستمرار القتال، مع أن مساندة الدعم السريع لن يصنع نفوذاً مستداماً، بل سوف يخلّف دولة منهكة، ومجتمعاً ممزقاً، وأزمة إنسانية مفتوحة.
* *
هذا الانطباع الشخصي عن مجريات الحرب في السودان تؤكده الرحلات الجوية المرتبطة بالإمارات إلى مناطق حدودية في تشاد وفق تقارير دولية، وكذلك التقارير الدولية عن شبكة دعم لوجستي وتمويلي من الإمارات للدعم السريع، فالإمارات باتت قناة رئيسة لإعادة تصدير السلاح إلى النزاع لصالح الدعم السريع، وهناك أيضاً التقارير المتعلقة بتجنيد مرتزقة أجانب مرتبطة بالإمارات وفق تحقيقات دولية، وما كشفه تحقيق (The Sentry) وغيرها مما يدين (أبوظبي) ويحمّلها المسؤولية في تأجيج الحرب، ومنع أي تسويات لإيقافه.
* *
من مصلحة (أبوظبي) أن تعيد النظر في سياساتها، بما يفيدها، ويكون لصالح دول المنطقة واستقرارها، ورحم الله من أدرك خطأه فتراجع عنه.

