الموتُ ليس موضوعاً لنقاش أو جدال. كلُّ نقاش أو جدال يتوقَّف بالتسليم بأنَّ الموت حقٌّ، ولا يُستثنى منه أحدٌ، حتى الرُّسل والأنبياء. وحين يأتي موعدُه، في أي شكل أو لحظة زمنية، يكون موتاً ولا غير.
الجدالُ والخصامُ والنقاشُ لا يحدثه الموتُ، بل الكيفية التي حدث بها. وموتُ سيف الإسلام القذافي مؤخراً مقتولاً في بقعة نائية، وحيداً، يضع نهايةً تراجيدية لخمسةَ عشر عاماً من حياة مُسورّة بالخوف من الموت قتلاً، وفي الوقت ذاته يفتح الأبواب أمام الأسئلة.
مسلسل القتل والاغتيالات في البلاد لن يتوقف بمقتله. والوصول إلى منطقة أمان؛ حيث لا يخشى فيها سياسي أو قائد عسكري في ليبيا من الموت بالرصاص، أو بقذيفة، أو بقنبلة مدسوسة في فراشه، أو في سيارته، أو بسقوط طائرة، لا يزال صعباً.
في خضمّ الفوضى الضاربة أطنابها في كل ليبيا نتيجة غياب حكم القانون، يظل الرصاص هو الحَكم. والذين أصدروا الأمر باغتيال سيف الإسلام لا يجهلون هذه الحقيقة، بل يتوقعونها لأنفسهم، كما عاش سيف يتوقّعها، وتمكن من تفاديها خمسة عشر عاماً.
يوم الخميس الماضي، تابع الليبيون عبر مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام أحداث وصول جثمان سيف الإسلام إلى منطقة بني وليد ليُدفن فيها. وكان أهله وأقرباؤه وأنصاره يريدون إتمام دفن جثمانه في مدينة سرت، موطن قبيلة القذاذفة، إلا أن السلطات في حكومة بنغازي وضعت أمامهم شروطاً رفضوا قبولها، ولم يكن متاحاً أمامهم سوى بني وليد. وفي اليوم التالي -الجمعة- تمت مراسم الدفن وسط حشودٍ كبيرةٍ جاءت من مختلف أنحاء البلاد.
عقب إعلان الوفاة رسمياً من مكتب النائب العام، ووصول الجثمان يوم الخميس إلى مستشفى بني وليد، طالب مواطنون وأقارب سيف بفتح الكفن والتأكد من كونه ليس فارغاً. ولم تستجبِ السلطاتُ لمطلبهم، وبدلاً من ذلك، ولطمأنتهم، اختارت مجموعة صغيرة من الفقهاء والأعيان للقيام بمهمَّةِ التأكد. ورغم تأكيدِ المجموعة المختارة برؤيتهم وتأكدهم من الجثة، فإنَّ أغلبية الحاضرين من المواطنين أصرُّوا على فتحِ الكفن لهم ورؤية الجثة. إلَّا أنَّ السلطات تخندقت في موقفها ومنعتهم.
هذا المشهد يوضح أنَّ الحقيقة في ليبيا أصبحت سلعةً نادرة، لدرجة أنَّ الموت نفسه يحتاج إلى «دليل بصري» شعبي ليُصدَّق. الأمر الذي يعكس أزمة ثقة عميقة جعلتِ الناسَ لا يصدقون الحكومات، ولا الفقهاء والأعيان.
من المفارقات الأخرى التي حدثت أنَّ عملية الاغتيال تمت، في وقت كان فيه رئيسا الحكومتين في طرابلس وبنغازي خارج البلاد؛ رئيس حكومة طرابلس عبد الحميد الدبيبة كان في رحلة علاج بألمانيا، ورئيس حكومة بنغازي أسامة حمّاد كان في زيارة رسمية لباكستان. ولم يكلف أي منهما نفسَه مشقة العودة إلى البلاد، رغم خطورة وأهمية الحدث. ومن الإنصاف القول إنَّ حكومة طرابلس لم تضع أي شروط على أهل الميت وأقاربه فيما يتعلق بالدفن أو مراسم مأتم العزاء.
الآن، وبعد اغتيال سيف الإسلام، يمكن القول بثقة إنَّ جماعة الخضر (أنصار النظام السابق) أضحت، وربما لا نبالغ إذا قلنا هذا، جسداً بلا رأس. وأنّها -في رأيي- عاجزة عن إفراز من يملأ مكانه، ومصيرها التشتت والاندثار. فسيف الإسلام، من دون بقية إخوته الأحياء كان هو من تكفَّل برفع الراية بعد سقوطها، ومواصلة الطريق عقب انهيار النظام ومقتل أبيه.
السؤال هنا يتمحور حول مَن أصدر الأمر باغتيال سيف الإسلام، ومن كان متواطئاً في هذه العملية؟ ولذا نحن في انتظار حل هذا اللغز. لكن من المهم الإشارة إلى أنه لا أحد في السابق من المتورطين في عمليات اغتيال تعرض للاعتقال أو المثول أمام القضاء ونيل ما يستحق من عقاب. وهذا يُفضي إلى استنتاج بأنَّ من يقفون وراء عملية اغتيال سيف الإسلام سيكونون في مأمن من العقاب القضائي.
عملية الاغتيال قوبلت باهتمام شعبي لفترة قصيرة من الوقت من المواطنين، ثم سرعان ما عاد الليبيون بعدها إلى طريق الآلام في معاناتهم الحياتية اليومية، من خلال العودة إلى الالتحاق مجدداً بالطوابير؛ إما في المصارف وإما في محطات بيع الوقود والغاز، وإما في غيرها من الطوابير العديدة، آخرها طوابير زيت الطهي، التي صارت سمةً من سمات الحياة في البلاد. لذا أنصح المواطنين بزيت الزيتون الوليدي الرائع؛ أعني زيتون بني وليد البعلي.

