في نهاية المؤتمر الصحافي الذي عُقد غداة أسوأ أداءٍ له في مجلس العموم، كانَ كير ستارمر لا يزال واقفاً سياسياً. إنجاز في حد ذاته. أمَّا السلطة، بالمعنى الحقيقي للكلمة، فغادرت المشهدَ منذ وقتٍ ليس بالقصير.
الأزمة التي تفجّرت عقبَ تعيين بيتر ماندلسون سفيراً لبريطانيا في واشنطن لم تعد مجرد زلة سياسية يمكن احتواؤها. لقد تحولت إلى اختبار شامل لقدرة رئيس الوزراء على الحكم، وعلى مصداقيته، وعلى الإمساك بمفاصل السلطة في نظام وستمنستر الذي لا يرحم من يفقد ثقة النواب والرأي العام في آن واحد.
الهجوم البرلماني المنسق بقيادة زعيمة المعارضة كيمي بيدنوك، في جلسة الأربعاء، أجبر ستارمر على اعتراف بالغ الخطورة: «نعم»، كان على علم بعلاقة ماندلسون بجيفري إبستين عند اتخاذ قرار التعيين. دافع بقوله إن المعلومات التي قُدمت له كانت «غير كاملة» أو «مضللة». الاعتراف نقل القضية من خانة الجهل المحتمل إلى خانة الحكم السياسي الخاطئ، وربما المضلِّل.
تفصيل أساسي، فالمعلومات عن علاقة ماندلسون بإبستين كانت متاحة في المجال العام لسنوات. ولذلك تحول دفاع ستارمر إلى أداة تحفر ثغرةً تحت قدميه: ليس لأنه لا يعرف، بل لأنه لم يتحقق، وتجاهل ما كان معروفاً. نظام وستمنستر يقوم على المساءلة البرلمانية، ولا يُكافأ الزعيم على قلة الفضول.
ثم جاءت الضربة البرلمانية الأشد. أعاد المحافظون إحياء آلية دستورية نادرة التوظيف تُعرف بـ«الخطاب المتواضع»، التي تُجبر الحكومة على الكشف عن وثائق ومراسلات. الهدف إجبار رئاسة الحكومة على نشر كل ما يتعلق بإجراءات فحص وتدقيق تعيين ماندلسون. حاول ستارمر إضافة تعديل يستثني الوثائق الحساسة المتعلقة بالأمن القومي والعلاقات الدولية، لكنه فشل، رغم أغلبيته، فالبرلمان قرر أن تُحال الوثائق الحساسة فقط إلى لجنة الاستخبارات والأمن، بينما يُنشر باقي المحتوى.
وزادت الأمور تعقيداً، فماندلسون نفسه بات خاضعاً لتحقيق جنائي أمام شرطة العاصمة، التي فتشت ممتلكات له أول من أمس. ورغم أن التحقيق لا يعني إدانة، فإنَّ وجوده وحده جعل كل محاولة حكومية لتقييد نشر الوثائق تبدو، في نظر الرأي العام، مقامرة سياسية خطرة.
عندما بدأ ستارمر المؤتمر الصحافي، كان ميزان القوى اختل. الصحافيون لم يكتفوا بسؤال واحد، بل عادوا إلى النقطة نفسها. ليس هجوماً، بل إصرار على إجابة غير متوافرة. أحد الأسئلة الأكثر إيلاماً جاء من محطة إذاعية شعبية، حين طُرح السؤال البسيط: كيف لرجل مارس المحاماة أن يفشل في إجراء تدقيق أساسي حول شخصية مثيرة جداً للجدل كماندلسون؟ رد ستارمر كان تكرار الاعتذار.
محاولته إنهاء المؤتمر بالدعوة إلى التركيز على تكاليف المعيشة، وما «يهم الناس فعلاً»، جاءت متأخرة. ففي السياسة، لا يقرر الزعيم وحده متى يُغلق الملف. وبمجرد أن خرج من القاعة، عادت المعارضة إلى الشاشات لتعيد تأطير القضية باعتبارها مسألة ثقة وحكم.
الأرقام أكدت هذا التآكل. أحدث الاستطلاعات تضع حزب العمال عند نحو 16 في المائة فقط، في المرتبة الرابعة. ولو انعكس هذا المستوى في انتخابات عامة، لخسر ستارمر ومعظم وزرائه مقاعدهم. هذه ليست شعبية متراجعة، بل انهيار ثقة واسع.
ومع ذلك، لا يزال ستارمر في موقعه. السبب ليس قوته، بل ضعف البدائل. نظام حزب العمال لتغيير القيادة معقد، ويتطلب عدداً كبيراً من النواب لتفعيل التحدي. عمدة مانشستر، أندي برنهام، يتمتع بشعبية، لكنه خارج البرلمان. الوزيرة السابقة أنجيلا راينر، ويفضلها يسار الحزب، أبلغت أصدقاءها نيتها تحدي ستارمر بعد انتهاء التحقيق الضريبي بحقها، وهو ما يضيف بُعداً زمنياً جديداً للأزمة.
ما كان يُقال همساً بات يُقال علناً. نواب حاليون، ووزراء سابقون، وشخصيات تاريخية في الحزب يتحدثون الآن عن ضرورة التغيير. لم يعد السؤال: هل سيُتحدّى ستارمر؟ بل: متى؟ وحتى جدول الانتظار تغيّر، إذ باتت الأنظار تتجه إلى انتخابات فرعية قريبة في دائرة عمالية عريقة في مانشستر باعتبارها اختباراً مبكراً للثقة.
هناك مشكلة أعمق: محاولة إحياء نموذج سياسي من زمن آخر. عودة ماندلسون لم تكن مجرد تعيين، بل إشارة إلى استدعاء عقلية إدارة ورسائل كانت مناسبة لعصر توني بلير. ما نجح قبل ثلاثة عقود لا يعمل اليوم، بل يكشف حدود السلطة بدلاً من ترسيخها.
كير ستارمر بقي، حتى الآن. لكنه بقي لأن الإطاحة به معقدة، لا لأنه أقنع أحداً. إنه يدير الحكومة في ممرٍ ضيق، تحت ضغط البرلمان، وإلحاح الصحافة، وشكوك الرأي العام، وانتظار حزبه.
إنه، بالمعنى الدقيق، في المنصب... لكنه لم يعد في السلطة.

