: آخر تحديث

المثقف والمجتمع وروح الدعابة

3
3
3

لطالمَا ارتبطتِ الفلسفةُ بتنميطٍ شديدٍ أساسُه الجديّة والصرامة؛ حتى لكأنَّ قارئَ أولئك القاماتِ منذ العصور الإغريقية عبارةٌ عن تماثيلَ محنطةٍ بلامشاعر. غير أنَّ التاريخَ ينكر كلَّ ذلك التصوّر بل تأسست فلسفات تتعلّق بالفكاهة بوصفها حالةً اجتماعية فعّالة.

وأحسب أنَّ من لا يرى كلَّ يومٍ مشاهدَ ضاحكةً، فإنَّ في حيويته الدنيوية كثيراً من الخلل. إنَّ النكتة دائماً مكثّفة بموضوع أساسي ولكنَّه ضمن سياقٍ ضاحك، فالنكتةُ حمولةٌ مصغّرة من توصيف الوقائع. الفلاسفة الكبار مثل أفلاطون، وأرسطو، وكانط، وشبنهور، وبرغسون، ونيتشه، وغيرهم، لهم إسهاماتٌ في إيضاح نظرية الضحك.

قبل أيام قرأتُ مادةً بعنوان «الحوار الأخير» للفيلسوف ميشيل سير وترجَمها محمود عبد الغني حول علاقة الضحك بتفجّر الدنيويّة الحيّة والحياة الرشيدة، ومن ضمن ما قاله أن «الضحك هو في كل الحالات مؤشر على الصحّة الجيدة. أردت أن أستحضر بعض الأمثلة من حياتي، تعطي نظرة حيادية عن البناء الأخلاقي. (الكلبيّون) الذين نتذكّر دوماً قولهم الشهير (انسحب من شمسي) الذي أطلقه ديوجين وألكسندر لوغران كانوا يمارسون السياسة. في حين كان بلوت أو تيرانس يمارسون الضحك الخالص. كان أرسطو أيضاً رائعاً بتفضيله الضحكَ الشرس. لكن احذر، يمكن أن تموتَ من الضحك. اليوم يسخر الناس، في وسائل التواصل الاجتماعي، بعنف بحيث ينبغي اختيار طريقة الضحك. الضحك يدوم وينتقد ويقوّض، الضحك الهادئ يمحو ويُزيح».

أما فيلسوف الضحك فهو كونديرا، وفي حوارٍ معه أجراه فيليب روث وترجمه أحمد نبوي عن نقاط التلاقي بين الضحك والفلسفة، يقول: «لقد تعلمت قيمة الفكاهة في زمن الإرهاب الستاليني. كان عمري حينها 20 عاماً وكان بإمكاني دائماً التعرف على الشخص حين لا يكون ستالينياً، من الطريقة التي يبتسم بها. شخص لست بحاجة إلى الخوف منه. كانت روح الدعابة علامة جديرة بالثقة للتعرف على الآخر. مذاك، شعرت بالرعب من عالم يفقد روح دعابته».

وهذا صحيح؛ فلو تأملنا في موضوع الضحك أو النكتة، لوجدنا أنها تضج بالحياة وبالشيفرات المركزة، معظم المثقفين يتجهّمون تجاه الحياة الضاحكة ويعتقدون أنَّها تقلل من صورتهم النمطيّة الأكاديمية التي تتعالى على المجتمع الضاحك المتبسّم والفرِح.

شبنهور رأى أن الضحك «ينشأ نتيجة افتقار للتجانس أو حدوث التناقض بين الموجة العقلية المجردة وبين تمثل أو تمثيل معرفي معين يقوم على أساس الإدراك، أي أن الضحك ببساطة هو محصّلة لذلك الصراع أو التفاوت المعرفي الذي لا يمكن اجتنابه بين المتصوّر العقلي العام والمدرك الحسي الخاص»، و«إن سبب الضحك هو ببساطة ذلك الإدراك المفاجئ للتناقض بين تصورٍ معين، وبين المواضيع الواقعية المحددة التي تم الاعتقاد من قبل بوجود علاقة معينة بينها وبين هذا التصور».

بينما يرى الفيلسوف كيركغارد أن الضحك «يحرر من أعباء الواقع المعاش والواقع الإمبريقي (التجريبي) العملي، ولكن هذه الحرية تظل حرية من النوع السلبي نسبياً، لكن التهكّم له جانبه الإيجابي أيضاً الذي يقوم على أساس الاستمتاع الذي يتمثل في أن التهكم يوفر لصاحبه شكلاً من أشكال الاكتفاء بالذات، أو نوعاً من الغلوّ بالثقة في النفس».

الخلاصة؛ على المثقفين ترك التعالي على الناس ويوميّاتهم الحيويّة المرتبطة بالمزح والنكتة، ثمة من يعتبر هذا الفعل من السفه والطيش؛ لم يدرك جلّهم أن النكتة والقصة والحكاية والرواية هي جزءٌ أصيل من التكوين الإنساني. من دون انغماس المثقفين بمجتمعهم وقصصهم ونكاتهم وضحكاتهم يستحيل تكوين أي رأيٍ فكريٍ أو بعد نظري عميق. إنَّ الأسس التي بُنيت عليها مبادئ «السالفة»، كما يعبّر عنها العالم الأنثربولوجي سعد الصويان، لها امتدادها القويّ عبر التاريخ، كما أن بعد المثقفين عن التبسّط مع الناس وسماع أحاديثهم وقصصهم وتاريخهم يجعل نظرياتهم منقوصة، لطالما اقتبس عباقرة الفلسفة والرواية أفكارهم من المقاهي والجلسات الاعتيادية؛ وهذا ما يجب أن يستمرّ عليه أي كاتبٍ أو روائي أو فيلسوف أو متأمل.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد