* * *
حشد الرئيس ترامب أساطيله، وهدد بشن حرب غير مسبوقة على إيران، تزامنت مع تهديدات إسرائيلية مماثلة، ودعم عسكري غير محدود للمعركة، التي تنتظرها تل أبيب منذ عقود، مكذبةً أقوال كل «المحليين» الذين طالما أزعجتنا تحليلاتهم عن حلف سري بين إيران من جهة، وإسرائيل، وأمريكا من ورائها، يمنع وقوع أي معارك بينها.
لم يختلف التلويح الأمريكي باستخدام القوة ضد إيران عن ذلك الذي سبق الغارة التي أطاحت مادورو، لكن الفارق بين قيادتَي وظروف الدولتين بيّنٌ، وموقعهما الجغرافي وأهميتهما وظروفهما متنافرة تماماً. ففنزويلا لم تمتلك يوماً لا الرغبة ولا القدرة على ضرب إسرائيل، حبيبة ترامب. ولم يكن لديها لا حول ولا نية لضرب القواعد الأمريكية، القريبة منها، ولا العزم على زعزعة أمن دول الشرق الأوسط، المتحالفة مع أمريكا، لهذه الأسباب وغيرها تأخر القرار الأمريكي، فتبعات ضرب إيران لا يمكن حصرها، فهي خصم أشد «شراسة» من فنزويلا والعراق وعشرات الدول التي سبق أن تعرضت للقرصنة الأمريكية. لذا، لا تزال أمريكا، وحتى ساعة كتابة هذا المقال، تدرس خياراتها، وهي على علم بأن التخلص من القيادة الإيرانية كاملةً لا يمكن أن يتم بغير حرب شاملة، وهذا ما تريده إسرائيل، منفردةً، دون العالم أجمع.
على الرغم من كل مظاهر ضعف القوة العسكرية الإيرانية، فإن هذا الضعف هو أحد أسباب شراسة قيادتها في البقاء، والرد بعنف، فمصيرها على المحك، وستقاوم إيران، حتى لو أدى ذلك لحرق المنطقة بأكملها، حفاظاً على وضعهم، لأنهم على علم تام بأن مصيرهم سيكون الفناء في الحالتين، لكن الاستماتة في المقاومة قد تمنحهم فرصة أكبر في البقاء.
تمتلك إيران، بنظري المتواضع، ثلاث أوراق قوية بيدها:
أولاها: قدرة صواريخها البالستية على التسبب في إحداث دمار ما في إسرائيل، ودول منطقة الشرق الأوسط، والقواعد الأمريكية في المنطقة، وهذا ما تحاول أمريكا تجنُّبه، بكل الطرق.
ثانيتها: عدم اكتراثها، من منطلقات أيديولوجية دينية، بحجم ما قد تتعرض له من خسائر بشرية، وهذا ما أثبتته مرات عدة، وهي تتصدى بكل عنف لأي حركة احتجاجية. فمن قُتل وهو يحارب «نظام ولاية الفقيه»، فإن مآله جهنم، ومن «استُشهد» وهو مع «نظام ولاية الفقيه» فمثواه الجنة، فأين المشكلة في كبر عدد الضحايا؟!
ثالثتها: سقوط النظام لا يعني فقط سقوط قادته، بل سقوط «فكرة الدولة الدينية الشيعية الإثني عشرية»، التي تدار بنظرية «ولاية الفقيه»، وربما تأجيل ظهور الإمام المهدي. وهذا ما لن تسمح السلطة في إيران بوقوعه، بسهولة، وبغير دماء، غزيرة.
أحمد الصراف

