إذا ما رغبنا في تشريح موضوع سوء الفهم، فأول الأمور هو أن نُعَرِّف سوء الفهم:
ما سوء الفهم؟
وحتى نكون أكثر دقة، علينا أن نسأل:
لماذا يحدث سوء الفهم أصلاً؟ ولماذا يدمّر علاقات، بينما يمرّ على آخرين بسلام؟
الجواب الحقيقي، ليس في الكلمات، بل في الناس أنفسهم.
لأن أسباب سوء الفهم تكون باختلاف طريقة تفكير البعض وليس كل الناس، لأن الناس كلهم لا يفكرون بالطريقة نفسها. فهناك من يفكّر بعقلٍ منطقي. وهناك من يفكّر بعاطفة. وآخرون يفكّرون بخوف. بدليل أن الكلمة ذاتها قد تعني عند شخص مجرد «معلومة» وتمر مرور الكرام، بينما هي عند الآخر كلمة «جارحة» او «إهانة»، يترتب عليها موقف أو مواجهة ثم قطيعة.
قد تكون إساءة التعبير أو ضعفه او عدم دقته، سبباً يترتب عليه خروج الكلام ناقصاً، أو حاداً، أو بغير ما يقصدون، وهنا تحدث الفجوة بين النية والرسالة.
وغالباً لا يكون سوء الفهم وليد اللحظة، بل هو تراكمات تنتظر اختلاق السبب واغتنام الفرصة لتفجيرها، فيأتي موقف بسيط وقد يكون سخيفاً، ويفجّر كل شيء.
وحين يغيب حسن الظن، تزداد حساسية مراقَبة الكلمات والبحث عن النوايا وتفسير التصرفات بالأسوأ، وهنا يبدأ سوء الفهم الحقيقي. ثم يتراكم الصمت ويطول، ومع الوقت يتحول إلى جفاء.. ثم قطيعة لا رجعة وراءها.
ولكن، لماذا ينجح سوء الفهم مع بعض الناس، بينما لا يجد له مكاناً عند آخرين؟!
من يكن ضعيفاً، تهزه أي كلمة، او هشاً لدرجة أن أي ملاحظة تُفسر عنده كهجوم، هو أول ضحايا تداعيات سوء الفهم.
وغالباً ما تلعب ثقة النفس الضعيفة دوراً مهماً في هذا الجانب، لأنه غالباً ما يشك في نوايا الآخرين، ويرى التقليل في أبسط المواقف، فتضج داخله عبارة «الكل ضدي». وقد تكون هناك رغبة خفية في القطيعة، ومدفونة تقتنص المواقف والفرص لتفجيرها عند أبسط الأسباب، فتكون ذريعة للمقاطعة.
وغالباً ما يكون حسن الظن (وهو أعلى درجات الرقي الإنساني)، ملاذاً آمناََ، وتعليل الموضوع بعبارة «قد أكون فهمت خطأ»، هي المنقذ لكثير من العلاقات، لأن الواثق لا يبحث عن إهانة في كل كلمة، إضافة لوجود رغبة حقيقية في الحفاظ على هذه العلاقات.
من يُحب أن يسمع قبل أن يحكم. ويسأل قبل أن يتهم، ويفرّق بين الخطأ المتعمد وسوء التعبير، هو بالفعل من يرغب عن اقتناص الفرص لتحقيق القطيعة.
وهنا يجب أن يكون القرار، هل أزعل فقط، أم أزعل وأقاطع، أم أزعل لكن لا أقاطع، وهذا بالطبع قرار يتحمله صاحبه، ويتحمل تداعياته.
بالنهاية، من نيته ليست الانتصار قدر ما هو الفهم، هو فعلاً المتمسك بعلاقاته وتاريخها وذكرياتها. أما من يلهث وراء الانتصار فقط، فلا أسف عليه.
إقبال الأحمد

