وَالأَعْشَى مِنْ فُحُولِ شُعَرَاءِ العَرَب. وَهوَ: مَيْمُون بنُ قَيْسٍ بنِ جَندَلٍ مِنْ بَنِي بَكْرِ بنِ وَائِل.
سُمِّيَ قَيْسُ بنُ جَنْدَل: «قَتِيلَ الْجُوع»؛ لأَنَّهُ دَخَلَ غاراً فَوَقَعَتْ صَخْرَةٌ فِي مَدخَلِ الْغَارِ وسَدَّتْهُ، فَحُبِسَ دَاخِلهُ فمَاتَ صَبْراً.
وَالأَعْشَى مِمَّنْ قُدِّمَ عَلَى سَائِرِ الشُّعَرَاءِ فِي الجَاهِلِيَّة، وَهوَ مِنْ أكثَرِ الشُّعَرَاءِ شِعْراً. وسُئِلَ ابْنُ أبي حَفْصَةَ: مَنْ أَشْعَرُ الْعَرَب؟
فقَالَ: شَيْخَا وَائِل، الْأَعْشَى فِي الْجَاهِلِيَّة، وَالأَخْطَلُ فِي الْإِسْلَام. وَسُئِلَ يُونُس النَّحْوِيّ: مَنْ أَشْعَرُ النَّاس؟
فقَالَ: لَا أُومئُ إِلَى رَجُلٍ بِعَيْنِه، وَلَكِنِّي أَقُولُ: امْرُؤُ الْقَيْسِ إِذَا رَكِب، وَالنَّابِغَةُ إِذَا رَهِب، وَزُهَيْرٌ إِذَا رَغِب، وَالأَعْشَى إِذَا طَرِب.
اشْتَهَرَ بِشِعْرِ المَدَح، وَكَانَ زَائِراً دَائِماً لِبِلَاطِ المُلُوك، وَقِيلَ: هُوَ أَوَّلُ مَنْ سَأَلَ بِشِعْرِهِ. وسُمِّيَ الأَعْشَى: «صَنَّاجَة العَرَب»، لِجَوْدَةِ شِعْرِه، وَيُقَالُ: لِغَزَلِهِ ورِقَّةِ شِعْره. نَقَلَ الشَّعبِيّ أَنَّ عَبْدَ المَلِكِ بن مَرْوَانَ، قَالَ لِمُؤَدّبِ أَوْلَادِهِ:
«أَدِّبْهُم بِرِوَايَة شِعْرِ الْأَعْشَى فَإِنَّهُ -قَاتلَهُ الله- مَا كَانَ أَعْذَبَ بَحْرِه وَأصْلَبَ صَخْرِه». وَذَهَبَ الْمُفَضَّل الضَّبّي إلَى أنَّ «مَنْ زَعَمَ أَنَّ أحداً أشْعَرُ مِنَ الْأَعْشَى فَلَيْسَ يَعْرِفُ الشِّعْر».
وَالْأَعْشَى فِي اللُّغَة: مَنْ لَا يُبْصِر بِاللَّيلِ ويُبْصِرُ بِالنَّهَارِ، وَعَمِيَ الْأَعْشَى فِي أَوَاخِر عُمْرِه.
ويُعرَفُ شَاعِرُنَا بأَنَّهُ الأَعْشَى الأَكْبَر، وَفِي الشُّعَرَاءِ مَنْ يُسَمَّى «الأَعشى»، وَعَدَدُهُمْ 17 شَاعِراً ذُكِرُوا فِي: «المُؤتلف والمُختلف»، لِلآمِدِيّ.
وَمِنْ رَقِيقِ شِعْرِ الأَعْشَى، قَوْلُهُ:
كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مِنْ بَيتِ جَارَتِهَا مَوْرُ السَّحَابَةِ لَا رَيثٌ وَلَا عَجَلُ
وروي البيت بأكثر من صيغة، أحدها: (مَورُ السحابة)، ومنها: (مَرُّ السحابة)، وَكَذَلِكَ: (مَشيُ السَّحَابَة). وَلَفْظَةُ الدّيوَان: (مَرُّ).
المَورُ: الدَّورَان، وَالحَرَكَةُ باسْتِدَارَةٍ لَا ثَباتَ فِيهَا. المًشْيَةُ: حَالَةُ المَشْي. الرَّيث: الإبطاء. وَقَبْلَ بَيْتِ القَصِيدِ، بَيْتٌ تَفَنَّنَ فِيهِ فِي وَصْفِهَا، وَهَذَا مِنْ نَادِرِ تَشْبِيهَاتِ العَرَبِ، يَقُولُ الأًعْشَى:
غَـرَّاءُ فَـرْعَـاءُ مَـصْـقُـولٌ عَـوَارِضُـهَـا تَمْشِي الهُوَينَى كَمَا يَمْشِي الوَجِي الوَحِلُ
غَرَّاء: بَيضَاء جَبِينُهَا وَاسِعٌ. فَرعَاء: شَعْرُهَا طَوِيلٌ. العَوَارِضُ: الثَّنَايَا مِنَ الأَسْنَان، وَتَقَعُ بينَ الأنْيَابِ وَالأَضْرَاس. وَقِيلَ: هِيَ الرُّبَاعِيَّاتُ وَالأَنْيَاب. وَقِيلَ: مَا يَظْهَرُ مِنَ الفَمِ عِنْدَ الضَّحِك. مَصْقُولٌ عَوَارِضُهَا: نَقِيَّة.
الوَجِي: فِي النَّاسِ، مَنْ يُعَانِي أَلَماً فِي بَاطِنِ قَدَمِه، أوْ مَنْ رَقَّتْ قَدَمَاهُ مِنَ المَشْي، وَفِي البَهَائِمِ، مَا يَشْتَكِي وَجَعَ حَافِرِهِ، فَيَتَجَنَّبُ حَالَ المَشْي وَالوَطْءَ عَلَى الحَافِر. وَالوَجِي يَكُونُ حَافِياً. الوَحِلُ: الّذِي يَخُوضُ فِي الطّينِ، فَتَتَوَحلُ مشيتُه.
المَعنَى: يَتَحدَّثُ الأَعْشَى عَنِ امْرأةٍ جَمِيلَةِ التَّفّاصِيل، خَرَجَتْ مِنْ زِيَارَةِ جَارَتِهَا، بعدَ أنْ حَمَلَتْ إليهَا أطَايبَ الأُعطيَاتِ، كَمَا تَجُودُ السَّحَابَةُ بالغيثِ مَا يَروِي عَطَشَ الأرْضِ والخَلْق، فَهِيَ تُشْبِهُ عَطَاءَ المُزْن، وإنْ لمْ يُصَرّحْ بِالشَّبَه، كَمَا صَرَّحَ بِتَشْبِيهِ هَيْئتِهَا وَهِيَ تَمْشِي قَافِلَةً إلَى بَيْتِهَا، خَارجَةً مِنْ بَيتِ جَارَتِهَا، بِهيئةِ حَرَكَةِ السَّحَابَة، الّتِي تَبلُغُ مِنَ الاتّزَانِ وَالتَّوَازُنِ مَبْلغاً تَتَوَسَّطُ فِيهِ بَينَ (الرَّيثِ): وَهوَ الإبْطَاءُ، وبَينَ (العَجَل): «والعَجَلَةُ: طَلَبُ الشِّيءِ وتَحَرِّيهِ قَبْلَ أَوَانِهِ، وَهِيَ مِنْ مُقْتَضَى الشَّهْوَةِ، فَلِذلكَ كَانَتْ مَذْمُومَةً فِي عَامَّةِ القُرْآنِ، حَتَّى قِيلَ: العَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَان»، كَمَا فِي «تَاج العروس»، للزُّبيدِي.
وَلَعَلَّهُ أرَادَ بِتَشْبِيهِ مِشيتَهَا بِالسَّحَابَة، مَا يَتَخَيَّلُهُ مَنْ يُشَاهِدُ السَّحَابَ، لِفَرْطِ تَرْكِيزِهِ فِي شَكْلِهِ، أنَّ الغَيمَ ثَابِتٌ لَا يَتَحَرَّكُ. فَلَعَلَّهُ بِسَبَبِ انْشِغَالِهِ بِرُؤيتِهَا، يَحْسِبُ مَشْيَهَا الهُوَينَى ثَبَاتاً وَجُمُوداً عَنِ الحَرَكَة!
وَمَشِي الهُوَيْنى: بتُؤَدَةٍ وتأَنٍ. الهُوَيْنَى: تَصْغِيرُ الهَوْن: وَهُوَ السَّكينة وَالوَقَار. قَالَ تَعَالَى: ﴿... يَمْشُونَ عَلَى اَلْأَرْضِ هَوْنًا﴾.
وَكَمَا يَظْهَرُ مِنَ البَيْتِ الأخِيرِ فَالأوْصَافُ الّتِي اسْتَخْدَمَهَا الشَّاعِرُ، تُعَزِّزُ الاحْتِمَالَ الّذِي مَرَّ مَعنَا سَالفاً، مِنْ كَوْنِهِ لِتَرْكِيزِهِ فِي التَّمَعّنِ بِرُؤيةِ المَرْأة، كَمَا يَفْعَلُ مَنْ يَتَمَعَّنُ فِي مُشَاهَدَةِ السَّحَابِ، فانْشَغلَ بِشَكْلهَا عَنْ حَرَكتِهَا وظنَّهَا أقْرَبَ إلَى الثَّبَاتِ مِنهَا إلَى الحَرَكَة.
وَالبَيتَانِ مِنْ قَصِيدَةٍ لَامِيَّةٍ طَوِيلَةٍ للأعْشَى، وَعُدَّتْ مِنْ أَحْسَنِ شِعْرِه، وذُكرَتْ لَهُ فِي المُعَلَقَات.
وَكاَنَتْ وَفَاةُ الأَعْشَى سَنَةَ 7 هـ(628م)، ودُفِنَ فِي بَلْدَتِه: (منفوحَة) الّتِي وُلِدَ بِهَا.
وَبِسَبَبِ التَّوسُّعِ العُمْرَانِي، أصْبَحَتْ منفوحَةُ، اليَومَ، حَيّاً مِنْ أحْيَاءِ العَاصِمَةِ السّعودِيّةِ؛ الرّيَاض.

