: آخر تحديث

الخدمة الاجتماعية.. خط الدفاع الأول في تحولات التعليم

3
3
3

تغريد إبراهيم الطاسان

في اللقاء الخاص الذي جمع معالي وزير التعليم الأستاذ يوسف البنيان بمجموعة من الإعلاميين، برز بوضوح أن منظومة التعليم لا تُدار اليوم بعقلية تقليدية، بل برؤية مؤسسية تدرك أن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن بناء المعرفة.

كان الحديث عن تعزيز القيم، وإشراك الأسرة، وتجويد تجربة المستفيد، والاستفادة من التقنية مع التحوط لمخاطرها، حديثًا يعكس وعيًا عميقًا بطبيعة المرحلة والتحولات المتسارعة التي نعيشها.

هذه الرؤية تضعنا أمام سؤال جوهري: كيف نحمي الأهداف الكبرى للتعليم في ظل تعقيدات الواقع الاجتماعي، وهيمنة التقنية الرقمية، والتغيرات الثقافية المصاحبة للانفتاح؟ هنا يبرز دور الخدمة الاجتماعية، لا كخيار ثانوي، بل كضرورة استراتيجية، وخط دفاع أول في مواجهة التحديات قبل أن تتحول إلى ظواهر.

الخدمة الاجتماعية المتخصصة داخل البيئة التعليمية ليست مجرد امتداد لدور الإرشاد الطلابي، بل هي منظومة وقائية وعلاجية تعمل على قراءة السلوك، وفهم السياق الأسري والاجتماعي، والتدخل المبكر في المشكلات الفردية التي قد تبدو بسيطة في بدايتها، لكنها إن أُهملت تتحول إلى أزمات جماعية تُربك العملية التعليمية وتُضعف أثرها مما ينعكس سلبا جيلا وربما اجيال، وبالتالي، تربك المجتمع على المجتمع ككل وتصبح عائقا في مسار تقدمه.

ومن الأهمية بمكان أن لا يعمل هذا الدور بشكل منفصل داخل كل مدرسة، بل ضمن منظومة مترابطة بين أقسام الخدمة الاجتماعية في المدارس، بما يسمح برصد الأنماط السلوكية المتكررة، وملاحظة ما قد ينشأ من مشكلات أو توجهات قد تُشكّل تهديدًا مستقبليًا على تماسك المجتمع أو منظومة القيم. هذا الربط المؤسسي يتيح الانتقال من ردّ الفعل إلى الاستشراف، ومن معالجة الحالة الفردية إلى قراءة الظاهرة المجتمعية.

كما أن رفع هذه المؤشرات والتحليلات إلى الجهات المختصة في وزارة التعليم يُعد خطوة محورية، تسهم في دعم متخذ القرار بمعلومات ميدانية واقعية، تساعد على تعزيز الإيجابيات، ووضع حلول مبكرة للمشكلات، والعمل على تطوير السياسات والبرامج التعليمية بما يتوافق مع ما يحتاجه الوطن والمجتمع من الأجيال القادمة، لضمان استمرار التقدم والنماء.

ومع التوجه المتزايد من قبل الأسر نحو المسار العالمي في التعليم، وما يصاحبه من اختلافات ثقافية ولغوية وقيمية، تتضاعف الحاجة إلى أقسام خدمة اجتماعية متخصصة تمتلك أدوات علمية، ورؤية واضحة، وقدرة على الموازنة بين الانفتاح المطلوب، والحفاظ على الهوية الإسلامية الوسطية، والهوية السعودية الأصيلة التي تشكل ركيزة الاستقرار المجتمعي.

كما أن التقنية، رغم ما توفره من فرص تعليمية هائلة، باتت سيفًا ذا حدين. فالعالم الرقمي المفتوح يفرض تحديات تتعلق بالهوية، والانتماء، واللغة، والقيم، وهي تحديات لا يمكن التعامل معها فقط عبر المناهج أو الأنظمة، بل عبر مختصين في الخدمة الاجتماعية قادرين على العمل مع الطالب، والأسرة، والمدرسة، ضمن إطار تكاملي واعٍ.

إن التحولات المجتمعية التي نعيشها اليوم، في ظل انفتاح محسوب تحرص عليه قيادتنا - حفظها الله - تستدعي أن تكون أدوات الحماية الاجتماعية موازية لحجم التغيير. فالانفتاح ليس خطرًا في ذاته، بل يكمن الخطر في غياب التأهيل الاجتماعي القادر على إدارة هذا الانفتاح دون أن يُخلخل متانة القيم أو يُضعف الهوية.

من هنا، فإن تفعيل دور الخدمة الاجتماعية كأقسام متخصصة ومترابطة داخل منظومة التعليم لم يعد ترفًا إداريًا، بل استثمار وطني طويل الأمد. استثمار يحمي الطالب، ويدعم الأسرة، ويُسهم في استشراف المستقبل، ويضمن أن تكون التحولات التعليمية سلسة، واعية، ومتسقة مع الرؤية التي نراهن عليها لمستقبل وطن عظيم.

فالتعليم الذي لا تحرسه قراءة اجتماعية عميقة قد يحقق مخرجات معرفية، لكنه يخسر رهانه الأهم: الإنسان المتوازن، الواثق بهويته، والمنتمي لوطنه.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد