: آخر تحديث

بيننا شاشة

3
3
3

ناهد الأغا

كانت عيناي على الشاشة الصغيرة، بينما كانت عيناها العسليتان عليّ. كنت أقلب صفحات الواتساب كما يقلب الورّاق مخطوطة قديمة، بين محادثات العمل وأسماء المجموعات التي تغمرني بفيض من الرسائل كمدّ البحر في المدّ، أصوات مؤجلة، ورسائل تبدأ بـ«مساء الخير» وتنتهي قبل أن أبدأ بالردّ..

أقلب الصفحات كأنني أبحث عن شيء لا أعرف اسمه، ربما رسالة لم تُكتب بعد، أو حتى عذر يجعل انصرافي مبرَّراً ، كانت أمي تجلس أمامي، تشاهد المشهد دون دهشة، كأنها رأت هذا التحوّل قبلنا. رفعت عيني فنظرت إليّ، وفجأة توقفت أنا، وانقطع حبل الانشغال، فسقطت من عالم الشاشات إلى عالم الحاضر، إلى الكرسي الذي أجلس عليه، إلى الغرفة التي نتواجد فيها، إلى الحقيقة البسيطة والمهمة: أمي تجلس أمامي، وأنا مشغولة في هاتفي عنها. تلك اللحظة، لم نقل شيئًا، لكن الصمت كان يكتب لنا حوارًا أجمل من كل الكلمات. كانت عيناها نافذتين مفتوحتين على بحر هادئ، أرى فيه الأمواج الخفيفة تلامس شاطئ الوعي، أرى السكون الذي يسبق الكلام، وأرى اللحظة التي يتحول فيها الصمت إلى لغة. في تلكما العينين، قرأت سطرًا من حياتي، سطرًا كنت قد تخطيته أثناء قراءتي للشاشة، سطرًا يقول: «أنا هنا».

أنزلت هاتفي ببطء، كمن يعتذر دون كلام، شعرت بثقله فجأة كأنه لم يعد لي وحدي. وضعت الهاتف جانبًا برفق، لأعود إلى وجهي الحقيقي، الوجه الذي تعرفه أمي، الوجه الذي قد أنساه أحيانًا بين المرايا الرقمية. نغيب أحيانًا لأننا لا نحب الجلوس معًا، نغيب لأن بيننا شاشة.

نلتقي، نجلس متقاربين، تتلامس الأكتاف، لكن العيون تتفرّق كل واحد يحمل عالمه في كفّه نحن الجيل الذي يجلس معًا ويتحدّث منفردًا، نشارك صور لحظاتنا، ولا نعيشها كاملة.

والسؤال المهم: كم مرة فعلنا ذلك؟ كم مرة كانت أمهاتنا بجوارنا ونحن مشغولون بشاشات صغيرة، نتواصل مع العالم لكننا ننقطع عن أقرب الناس إلينا؟ نرسل «قلوبًا» و»إعجابات» لأصدقاء افتراضيين، بينما الشخص الذي يحبنا حقًا يجلس بجوارنا، ينتظر نظرة أو كلمة.

في عيني أمي، في تلك اللحظة، رأيت درسًا جديدًا في الحكمة: أن تعرف أين تكون حقًا حين تكون جسديًا في مكان ما، أن تضع الهاتف جانبًا عندما تكون العيون التي رعتك تنظر إليك، أن تدرك أن الرسائل يمكن أن تنتظر، لكن اللحظات مع أمك لا تعود.

تعلمت من نظرة أمي أن التكنولوجيا، رغم كل فوائدها، لا يجب أن تكون حاجزًا بيننا وبين من نحب وأن الاتصال الحقيقي لا يتم عبر الشبكات الافتراضية، بل عبر نظرات تلتقي، وأيدٍ تلمس، وقلوب تتناغم في المكان نفسه. لذلك وضعت هاتفي جانبًا، وأمسكت يدها ولم أقل شيئًا، لكن كل شيء قيل. ابتسمت أمي ابتسامة مختلفة هذه المرة - ابتسامة انتصار صغير للحب على الانشغال، للحضور على الافتراضي، للإنسان على الآلة.

استرجعت المسافات: مسافة بيني وبين العالم الافتراضي، تمكنني من رؤية العالم الحقيقي بوضوح؛ مسافة من الاحتياج الدائم للتواجد الرقمي، لأكون موجودة في لحظتي استرجعت نفسي التي كانت تملأ وقتها بحكايات، بصفحات كتب لا صفحات مواقع، بنظرات تلتقي لا صور تُرفع.

في النهاية، لست ضدّ التقدّم، ولكنّي مع إنسانية الكلام، مع أن تبقى الكلمة ابنة اللحظة لا ابنة الشاشة، مع أن يبقى الحوار لقاءً بين روحين..

اللهم احفظ أمي وكل أمٍ حملت الحب في قلبها، ونثرت الحنان في دروبنا اللهم اجعل أعمارهن مباركة، وقلوبهن عامرة بالسلام، وأيامهن مشرقة بالفرح والصحة والعافية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد