: آخر تحديث

«الصاحبي» أنيس فريحة

2
2
2

عابَ أنيسُ فريحة في أوَّل عام من عقدِ الخمسينات الميلادية على أحمد كمال قولَه في كتابه «أسس النهوض القومي العربي» في عام 1938: أنَّ الحضارةَ الغربية ماثلة إلى الزوال! ثم في عام من أعوام الستينات الميلادية، وكان أستاذاً زائراً في جامعة كاليفورنيا - لوس أنجليس، قال تعليقاً على حالة التفكك العائلي التي تعيشها تلميذته هاريت باركلي وصديقتها باربرا: «قلت في نفسي لقد بدأ السوس ينخر في الحضارة الأميركية! زوال الحضارة يبدأ بتفكك العائلة ثم المجتمع!».

سأحاول أن أفسّرَ التَّناقضَ الذي وقعَ فيه بطرحِ أكثرَ من احتمال:

الاحتمال الأول، أنَّه بعد سماعه قصّتَي هاريت وباربرا، قال ما قال في نفسه في تلك اللحظة بلسان وروح وعقلية نشأته الأولى. وكان قد نشأ في البيت وفي مدرسة قريته، قرية رأس التين، وفي ثانوية برمّانا بلبنان، نشأة دينية متقشفة.

عائلته من العائلات المسيحية الأرثوذكسية في قرية رأس التين (قرية رأس التين يتقاسمها مذهبان: الأرثوذكسي والدرزي. والدروز فيها كانوا أكثر عدداً من الأرثوذكس). أبوه إلياس بعد زواجه من أمه شريفة تخلى عن مذهب العائلة الأرثوذكسي واعتنق على يد أحد المبشرين الإنجليز (أو ربما الأميركيين) مذهب «الكويكرز». وهذا المذهب أو هذه الجماعة من الجماعات الدينية البروتستانتية التقوية المتطهرة. أنشأها رجل إنجليزي في إنجلترا اسمه جورج فوكس نحو سنة 1650م.

جماعة «الكويكرز» تحرّم التدخين، وحضور الاحتفالات، وارتياد المسارح، والخمر، والقمار، والقسم أو حلف اليمين. تحريمهم القسم - حسب ما يذهبون إليه - هو التزام بقول المسيح في إنجيل متّى: «ليكن كلامكم نعم، إن كان نعم، أو لا، إن كان لا. وما زاد على ذلك فهو من الشرّير». فهم يعدون أنفسهم أصدقاء الصدق! لذلك هم معفون من أداء اليمين في بعض محاكم إنجلترا وأميركا.

وهم يُحرّمون الحروب ثم قبلوا تالياً بالمشاركة فيها بالتمريض والتطبيب وأعمال الإغاثة. ويحرّمون كذلك كل مظاهر التنعّم والرفاهية.

يقول عنها أحد أبناء هذه الجماعة في سيرته الذاتية (قبل أن أنسی) - وأعني به أنيس فريحة: «كانت المسيحية في نظر مؤسسها، جورج فوكس، قد انحرفت كثيراً عن المسيحية الأولى البسيطة التي أرادها السيد المسيح طريقاً لأتباعه. وكان مؤسسها يطمح إلى تأسيس كنيسة روحية مجردة مما علق بها على مر الدهور، من طقوس ورموز وتقاليد وأعياد وتكريم للقديسين من أبناء البشر. فلم يمارسوا مثلاً المعمودية والعشاء الرباني. ولم يكن لهم كهنوت منظم، ولم يشيدوا المعابد والكنائس الضخمة، بل كان محل العبادة عندهم (بيت الاجتماع). وقد يكون بيت الاجتماع غرفة بسيطة من بيت من البيوت، كما كان عندنا في رأس المتن. وليس لهم ليتورجيا، بل كانت الصلاة فردية وعفوية».

معنى كلمة «الكويكرز» - لغوياً باللغة الإنجليزية - المرتعدين أو المرتجفين أو المهتزين أو المرتعشين. وقد أطلقت على هذه الجماعة هذه التسمية من قبل الجماعات الدينية المخالفة لها من باب السخرية منهم وبهم. فيصبح معناها - اصطلاحاً وعلى نحو عام - المرتعدين أو المرتجفين أو المرتعشين من تقوى الله وخشيته. وعلى نحو خاص، تسميتهم بـ«الكويكرز» أصلها حادثة حصلت لمؤسس جماعتهم جورج فوكس. ففي أثناء محاكمته، قال للقاضي: «ارتعد أمام الله!» فسموا بعدها بـ«الكويكرز» استهزاءً بهم. هم من البداية سموا أنفسهم بـ«الفرندز» تيمناً بقول المسيح في إنجيل يوحنا: «أتباعي هم أصدقائي». وفي اللغة العربية ترجم اسمهم إلى «الأصدقاء» و«الأصحاب». في «قاموس المورد» لمنير بعلبكي يذكر من معاني كلمة Friend: «الصاحبي: واحد من طائفة الأصحاب أو المهتزين (الكويكرز) وهم يؤكدون على البساطة في الملبس ويكرهون الطقوس الخارجية ويقاومون الحرب». ويذكر من معاني كلمة Quaker: «الصاحبي واحد من الأصحاب أو المهتزين». أهل هذه الجماعة يعتبرون تسميتهم بـ«الكويكرز» تسمية خصوم. لكن تسمية «الكويكرز» تسمية علقت بهم وصارت تترادف مع تسميتهم بـ«الفرندز». ربما لأن كلمة «الكويكرز» أوضح وأشد بياناً في تمييزهم عما سواهم من الجماعات الدينية المسيحية البروتستانتية الأخرى من كلمة «الفرندز».

عدد أبناء هذه الجماعة أو الطائفة في بلدان الشام قليل منذ أن بدأ التبشير البروتستانتي فيها، بالنسبة لعدد أبناء طائفتهم الأم، الطائفة البروتستانتية. تركز هذه الطائفة على التربية والتعليم. ومن أشهر مدارسها في هذه البلدان ثانوية برمّانا في لبنان، ومدرسة «الفرندز» برام الله في فلسطين، وهي الأعرق. ومن مشاهير الساسة من خريجيها حنان شعراوي. ومن مشاهير الثقافة من خريجيها من غير المسيحيين المثقف هشام شرابي لكنه درس فيها المرحلة الابتدائية فقط.

مشكلة هذا الاحتمال أنه لم يمض زمن طويل على نشر دراسته في مجلة «الأبحاث» التي عاب فيها على أحمد كمال قوله بقرب زوال الحضارة الغربية لكي ينسى ما عابه عليه. فدراسته (الحركة اللاسامية في التاريخ) منشورة في تلك المجلة آخر عام 1950، وهو أعير من الجامعة الأميركية ببيروت للتدريس لمدة عام واحد في جامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس ما بين أوائل الستينات الميلادية ومنتصفها. أي عام 1963، أو بالكثير عام 1964.

الاحتمال الثاني، أنه قال في نفسه ما قال أثناء كتابته لسيرته الذاتية الثانية «قبل أن أنسى» التي صدرت في طبعتها عام 1979، ولم يقله بعد سماعه قصتي هاريت وباربرا العائليتين. أي قاله بعد أن أبحر في السبعينات من عمره.

فكونه «صاحبياً» ومن جماعة دينية يعدون أنفسهم أنهم لا يقولون إلّا صدقاً، لا يعني أنه كان صادقاً بقوله، بأنه قالها بعد سماعه لقصتي الفتاتين الأميركيتين العائليتين.

خذوا هذا الشاهد والبيّنة الكبرى من تلك السيرة أنه أحياناً لا يكون صادقاً فيما يرويه عن نفسه:

«وأدهى من ذلك كله قصة شرب الخمرة حتى الثمالة. وردتني وريقة أخرى: تفضل بمقابلة العميد. وبعد أن جلست قال: أخبرني مخبّر أنك تشرب الخمرة حتى السكر. فأجفلت إذ كانت انتفاضة غضب لا عهد للعميد بمثلها. قلت فوراً وبغضب: إن مخبّرك كذاب وواش حقير! فانتفض هو وقال: خفّف من حدتك يا أستاذ. وعوضاً عن أخفّف من حدتي كررت القول وبصوت مرتفع: إن مخبرك كذاب وواش دنيء وأربأ بك أن تصغي إلى كلام الواشي الحقير. وهممت بالخروج. قال: اجلس. وأخبرته أني أنتمي إلى طائفة «الفرندز»، والخمرة عندهم حرام، وتحريمها صارم. إن أبي يرفض رفضاً باتاً أن تدخل الخمرة بيتنا. وأنت تعرف الطائفة، وأنا متمسك بتعاليمها. وتابعت: خلّ عنك الوازع الديني، فها أنا مصدقك القول بأن جسمي وجهاز الهضم فيه لا يقبلان الكحول إطلاقاً. فإنني إذا شربت ملء كشتبان، أشعر بدوار يعقبه وجع رأس مؤلم. أنا لا أشرب الخمرة إطلاقاً لا خوفاً منك، ولا بسبب وازع ديني. جسمي لا يقبل الكحول إطلاقاً. هل لي أن أعرف هذا المخبر الكريم؟»

هذا العميد الصارم الذي صرّح أنيس فريحة بأنه لا يحبه كثيراً، لا يذكره إلا باسمه الأخير: نيكولي. هذا العميد هو عميد كلية الآداب والعلوم في الجامعة الأميركية. واسمه الكامل إدوارد فردريك كينولي. (تولى العمادة من عام 1924 إلى عام وفاته في 1937). اكتفاؤه باسمه الأخير ليس سببه أنه لا يحبه كثيراً، فكذلك كان يفعل مع المستشرق بيارد دودج، رئيس الجامعة الأميركية (1923 - 1948)، فكان يكتفي بذكر اسمه الأخير: دودج مسبوقاً بكلمة «الرئيس». وأظنه يحبه كثيراً. فهو الذي فكّر بتأسيس كرسي للدراسات السامية يكون تابعاً للدائرة العربية في الجامعة. ولما علم من أساتذته أنه تعلّم السريانية والعبرية على حسابه الخاص، اختاره ليكون هو المبتعث الأول للحصول على درجة الماجستير في الساميات من معهد الدراسات الشرقية في جامعة شيكاغو. ودعم بعد حصوله على درجة الماجستير من هذه الجامعة ابتعاثه إلى جامعة توبنغن في ألمانيا ليتعمق أكثر في دراسة التخصص في اللغات السامية على مستوى الماجستير.

العميد إدوارد نيكولي شديد التدين. وتدينه الشديد أفضى به إلى أن يتجسس على أعضاء هيئة التدريس خارج أسوار الجامعة. يقول أنيس فريحة: «كان نيكولي يتخفّى بزيّه، ويضع نظارات سوداء، ويدور مرة بعد أخرى، على المقاهي وعلى علب الليل». وبالإضافة إلى ذلك فتح باباً لكتابة تقارير له حول ما يعده هو «عيوباً مسلكية» لأولئك الأعضاء خارج الجامعة، تحفظ في سجلاتهم الجامعية!

تلك الحكاية مع العميد نيكولي التي رواها أنيس فريحة حصلت بعد عودته من دراسته في ألمانيا، وكان أستاذاً في الجامعة بدرجة ماجستير.

في مرافعته أمام عميد كلية الآداب والعلوم، إدوارد نيكولي، تذكروا أنه لم يقل أنه يشرب الخمرة باعتدال، بل نفى نفياً قاطعاً أنه يشربها، مرة لأنه ملتزم بتعاليم طائفته التي تحرّم شربها تحريماً باتاً، ومرّة لعلّة بدنية!

قبل أن تحدث هذه الحكاية، وقبل أن يرويها في سيرته، روى ما حصل له في الباخرة التي استقلها من بيروت إلى أميركا. كانت من محطات توقفها توقف في إسطنبول. «صعدت فتاتان، تركية جميلة، وأرمنية قصيرة القامة، بخلت عليها آلهة الجمال فلم تهبها شيئاً من عطائها. وكانتا قد احتجزتا غرفة قريبة من غرفتنا (شريكه بالغرفة كان صديقه نجيب ضومط). وكانتا تقصدان أميركا مثلنا لمتابعة الدرس في جامعة كولومبيا. وقد رحبنا برفيقتي السفرة الطويلة».

محطة التوقف التالية ميناء كونستانزا في رومانيا. أخبروهم بعد أن وصلت الباخرة إليه، بأن الباخرة ستبقى يومين في هذا الميناء، فمن شاء أن يذهب إلى العاصمة بوخارست فليذهب.

فريحة وضومط والتركية الحسناء والأرمنية التركية قصيرة القامة زاروا بوخارست معاً. يقول فريحة عن هذه الزيارة: «وتجولنا أكثر من مرة في أسواق المدينة، وشربنا بصحبة الفتاتين التركيتين خمرة رومانية!».

في أثناء دراسته في جامعة شيكاغو للحصول على درجة الماجستير، وبعد أن روى الحكاية مع العميد نيكولي قال: «وذات ليلة دعاني بعض الأصحاب إلى شرب كأس من الخمر في حانة قريبة».

في أثناء هذه الدراسة دعته نانسي سمسون خطيبة صديقه ويز إلى ضيافتها لأيام في مزرعة أبيها في ولاية داكوتا.

قال عن إحدى الوجبات التي تناولها في مزرعة أبيها: «ثم الغداء الثاني. وكان خنزيراً بكامله مشوياً في الفرن، والدهن ينقط منه. وخمر، ومعجن من البطاطا، وآخر معكرونة، وينتهي بالكعك والقهوة والقشطة».

ولم ينبّه أنه لم يشرب من الخمر في هذه الوجبة، نظراً لكونه «صاحبياً!»

وبعد عودته مرة ثانية إلى جامعة شيكاغو للحصول منها على درجة الدكتوراه في تخصصه في الساميات. أخبرنا بما حصل بعد حصوله عليها: «وعلم الأصحاب أني نلت شهادة الدكتوراه بعد ظهر ذلك اليوم. ولماذا لم تدعنا؟ وأجمعوا على أن يقيموا لي حفلة في حانة، نشرب فيها الخمرة احتفاءً بالحدث». وحين حلّ على جامعة كاليفورنيا - لوس أنجليس أستاذاً زائراً، لما فاتحته تلميذته هاریت باركلي أن صديقتها باربرا ترغب في التعرف عليه، رحّب برغبتها هذه للتعرف عليه، ودعاهما إلى أن تشربا معه قنينة ويسكي في شقته! وللحديث بقية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد