علي الرز
في بدايات عملي الإعلامي، وَزَّعَتْ علينا الصحيفة التي انتسبتُ إليها كتيّباً بعنوان «اكتُب ولا تكتُب» وهو عبارةٌ عن رابِطٍ جامعٍ لتوحيد اللغة في كل أقسام الصحيفة، وليس بالضرورة أن يكون المكتوبُ أصحّ بالمطلق. مثل، الالتزام بكلمة «أخيراً» أفضلُ من «مؤخّراً» كون المؤخَّر رديف المقدَّم في الزواج والطلاق، ومصدرٌ «رفيعُ المستوى» وليس «رفيعاً» من باب أن الرفيعَ أقرب إلى النحيف فيما جادَلَ لغويون بأن «الرفيع» قد تأتي أيضاً من الرفعة، و«الثلثاء» بدل الثلاثاء وسورية بدل سوريا... وهكذا دواليك.
من باب التعصُّب آنذاك، كان بعضُنا يَعتبر الكتيّب هو الدستور الجامع لأي نجاحٍ مهني أقلّه في الشكل والترتيب، ولم يتعامل معه على أنه اجتهادٌ لتوحيد الأسلوبِ ما أمكن. صار بالنسبة إليه الأصلَ فيما الأصلُ هو للخبر الحقيقي والتحقيق الجاذب والتحليل الموزون والرأي المتّزن. وكم مِن عَتَبٍ سمعْناه من كاتبِ رأيٍ وَجَدَ أن مقالَه تَأَخَّرَ بسبب تصحيحِ «في نفس وقت حصول هذا التطور» إلى «في الوقت نفسه الذي حصل هذا التطور» أو تصحيح «أمس الأول» إلى الأول من أمس.
مدّ الله في عمرِنا في بلاطِ صاحبة الجلالة، وتأكّدْنا أن القارئ يقف عند «لقاءٍ تاريخي جَمَعَ بين زعيمٍ وآخَر»، ولا يهمّه الشطرُ الثاني من الخبر، سواء عُقد اللقاء «أمس الأول» أو «أول من أمس». لم يَعُدْ في هذا الطوفان الإعلامي مَن يملك تَرَفَ البحثِ عن «شياكةٍ لغوية» وسط تَلاطُمِ الأخبار على مدار الثانية في جهازِ الهاتف أو عبر الشاشاتِ المنصوبةِ أمام الوجوه من تلفاز وآي باد ولاب توب وصولاً إلى ساعات اليد.
والأهمّ، في المطلَق، أن الثورةَ الإعلاميَة المستمرة بلا تَوَقُّفٍ، لعبتْ دوراً مكروهاً مذموماً من الأنظمة الشمولية ومَحاور الممانعة وتيارات التشدُّد. كان الإعلامُ التقليدي القديم بوقاً يُستخدم في تبسيطِ الإجرام وتضييعِ المجازر وتركيب التُهم. كَتَبَ ناشطون سوريّون من منطقةِ جوبر في بداياتِ الثورةِ بعد لقائهم بشار الأسد أنه قال لهم: «أنا لا أغضب ممّن يَتظاهر... أَغضب مِن الذي يصوّر». وكذلك الأمر حين جَزَمَ الأمين العام الراحل لحزب الله السيد حسن نصر الله بأن «ما في شي بحمص» فيما عشرات الفيديوات ببثٍ حيٍّ تَنقل مباشرةً واحدةً من أبشع عملياتِ التدمير والإبادة في منطقة باب عمرو في قلْب المدينة.
كان التعاطي مع الثورة الإعلامية إشكاليةً حقيقيةً لهذا النوع من الأنظمة والمَحاور. جَماعاتٌ أرادت التركيزَ على الشكل النافي للجريمة فيما الجريمةُ في كل تفاصيل المضمون. واستناداً إلى الرابط الجامِع لتوحيد اللغة في كل أقسام مِحور الممانعةِ المُنْتَكِسِ، يمكن أن تَلْمسَ التالي:
اكتُب أن حربَ إسناد غزة التي دَمرتْ جنوب لبنان «كانت دفاعاً استباقياً»... ولا تكتبْ أنها بتوجيهٍ من إيران. واكتب أن الحزب لم يغامر أو يقامر بل إن الخطأ يقع على الحكم الحالي.
اكتُب أن محورَ المقاومة انتصر وأن إسرائيل انهزمتْ وأن بقاءها في بعض أراضي لبنان وعلى التلال واعتقالَها لأسرى وسيطرتَها الميدانية إنما هو عَجْزٌ حكومي لبناني وهزيمةٌ لسلطةٍ لم تستطع محاكاةَ «نَصْرِ» المقاومين... ولا تكتُب أن المحورَ انهزم وتدمّرتْ بناهُ التحتية وانقطع حَبْلُ سرّتِه في الهلال السوري ونالتْ دولتُه الأم ما نالتْه من ضرباتٍ على النووي والتصنيع الصاروخي.
اكتُب أن جنوبَ لبنان سيتعمّر ويصبح أفضل مما كان... ولا تكتُب أن اتفاقاً عربياً دولياً تم على عدم الإعمار إلا بنزْع السلاح وبَسْطِ سلطة الدولة.
اكتُب أن غزة انتصرتْ وأن الشهداء الذين تَجاوزوا السبعين ألفاً سيتم إنجابُ غيرهم، وأن القطاعَ المدمَّر سيُبنى من جديد وأن إسرائيل هُزمت في القطاع وتعيش أزماتٍ داخلية... ولا تكتُب أن هزيمةً ماحقةً لحقتْ بحركة «حماس» التي وقّعتْ على اتفاقٍ يُلْغي دورَها في إدارة غزة مستقبلاً، وأن إعادةَ بناءِ ما تَدَمَّرَ مستحيلةٌ في ظل بقاءِ اليد الطولى لمحور الممانعة، وأن عدد الضحايا والمصابين والمهجّرين والمعتقَلين لم يعرفْه تاريخُ المواجهات الفلسطينية - الإسرائيلية.
اكتُب سورية بالتاء المربوطة ولا تكتُبها بالألف... هنا سنخرج عن القاعدة ونكتبها كما نشاء، فقد كَتَبَتْ سورية بانتصار ثورتها شهادةَ وفاةِ الهلال المُمانع.
اكتُب كما يريدون فأنت الشريفُ العفيفُ التقيُّ النقيُّ الطاهرُ العلم ابنُ أمك وأبيك... ولا تكتُب ما حصل فعلاً وما يحصل لأنك ستكون العميلَ المُحْبِطَ المُنْتَقِصَ من المعنوياتِ، الخائنَ ابن سفاراتِ الغرب وربيبَ أميركا.

