: آخر تحديث

«بروكسل»... نيودلهي المحطة الجديدة

2
2
1

في عالمِ السياسة، كمَا في علم الفيزياء، لا يمكن غضُّ النَّظر عن قانون «الفعل ورد الفعل»؛ فلكل تحرّك دولي أثرٌ ارتداديٌّ يساويه في القوة ويعاكسُه في الاتجاه؛ إذ بينما كانت واشنطن الترمبيَّة تعيد رسم سياساتها الحمائية، وتخوض فجأة حروباً تجارية قائمةً على فرض الرسوم الجمركية على السّلع والبضائع المصدّرة من مختلف دول العالم، جاءَ الردّ مؤخراً من بروكسل (الاتحاد الأوروبي) ونيودلهي، متمثلاً في توقيع ما يمكن وصفه بـ«أضخم اتفاق للتجارة الحرة في العصر الحديث»، ليكونَ رسالة تذكير قوية لساكن البيت الأبيض.

«أمُّ كل الصفقات»؛ هو الوصف الذي أطلقته رئيسة «المفوضية الأوروبية»، أورسولا فون دير لاين، في خطاب ألقته بالهند مؤخراً، على الاتفاق التجاري الذي دخل مرحلة انتظار تصديق «البرلمان الأوروبي» وموافقة الحكومة الهندية بنهاية العام الحالي. يرى مراقبون غربيون أنَّ الاتفاقَ ليس مجرد أرقام جمركية، بل هو تدشينٌ لمرحلة أطلقوا عليها اسم «الاستقلال الاستراتيجي» الأوروبي عن التبعية الاقتصادية لواشنطن، عبر التوجه شرقاً نحو العملاق الهندي، بمنأى عن التورّط في شراكة تجارية مع الصين ضماناً للسلامة.

يُذكر أنَّ الهند كانت قد أزاحت مؤخراً بريطانيا عن المرتبة الخامسة في قائمة أكبر اقتصادات العالم، وهي، استناداً إلى تقارير إعلامية، تستعد حالياً للاستحواذ على المرتبة الرابعة.

تكمن أهمية هذه الخطوة غير المسبوقة في اختراقها الجدار الحمائي الهندي الشهير. فمن المعروف أنَّ حكومات نيودلهي ظلَّت لعقود حريصة على إغلاق أسواقها أمام المنافسة الخارجية؛ لحماية صناعاتها المحلية، لكنَّها وافقت أخيراً على فتح أبوابها أمام منتجات شركات «الاتحاد الأوروبي»، التي في المقابل ضمنت سوقاً بنحو ملياري مستهلك، وبتبادل تجاري يصل إلى 180 مليار يورو سنوياً.

هذا التحوّل كان، أولاً، ردَّ فعل هندياً ضد التعريفة الجمركية الأميركية على منتجاتها، التي ارتفعت من 25 إلى 50 في المائة حين كانت الهند رافضة للتوقف عن شراء النفط الروسي بأسعار مخفّضة. وثانياً أنَّ هذا الاتفاق لم يأتِ صدفة، بل هو ثمرة مفاوضات ماراثونية بدأت عام 2007، وهو العام الذي بلغ «المرحلة التريليونية»، أي وصل التبادل فيه إلى تريليون دولار أميركي. لكن المفاوضات مع «بروكسل» تعثرت طويلاً بسبب خلافات بشأن قطاعي «السيارات» و«الألبان»، كما تؤكد التقارير الإعلامية، قبل أن تُستأنف بزخم غير مسبوق بالتزامن مع فرض واشنطن رسومها الجمركية الجديدة. السرعة في إبرام الاتفاق تبين مدى اقتناع «بروكسل» ونيودلهي بضرورة تقديم تنازلات في قطاعات صناعية كانت في السابق غير خاضعة للنقاش.

بحلول عام 2032، سيرسم الاتفاق واقعاً اقتصادياً جديداً قائماً على إعفاءات جمركية وضريبية متبادلة، تشمل إعفاءً ضريبياً للمنتجات الصناعية الأوروبية بنسبة 96.6 في المائة، وتوفير ما قيمته نحو 4 مليارات يورو سنوياً على الشركات الأوروبية من رسوم التعريفات. وكذلك إعفاءات ضريبية لمنتجات الحديد والصلب، والأدوية، والمنسوجات، في كلا الاتجاهين؛ مما يخلق توازناً تجارياً فريداً.

يتجاوز هذا الاتفاق لغةَ الأرقام الجافة؛ فهو يؤرخ لبداية مرحلة من تنويع التحالفات بعيداً عن الهيمنة الأميركية، وبناء قطب تجاري موازٍ قادر على الصمود في وجه التحوّلات العالمية. وكي لا يثيرا استياء وحنق واشنطن بشكل صدامي، اختار الطرفان؛ الهند و«الاتحاد الأوروبي»، تعزيز الشراكة بينهما بوصف ذلك بديلاً آمناً للتوسع التجاري مع الصين، وضماناً للتوازن والاستقرار، آخذَين في الحسبان أنه سبق للهند التوقيع على اتفاق تجاري مع بريطانيا، يتميز عن نظيره الأوروبي بالتركيز على قطاع الخدمات.

الاتفاق يعني أن «بروكسل» اضطرت إلى تبنّي نهج براغماتي في تعاملها مع الهند، بمعنى أنَّها قبلت راضية غضَّ الطرف عن شراء الهند النفط الروسي بأسعار مخفضة سابقاً؛ الأمر الذي يفضي إلى استنتاج مفاده بأنَّ «بروكسل»؛ عكس واشنطن، تريد المشاركة في النمو من دون اللجوء إلى استخدام سياستَيْ الخضوع أو الإخضاع، بعد أن ثبتَ أنَّها سياسةٌ تأتي بنتائجَ معاكسةٍ سلبية. إنَّها الواقعية في أجلَى صورها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد