: آخر تحديث

«فقاعة الجماهير» في معارض الكتب العربية!

3
2
3

سجل معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026 رقماً قياسياً جديداً في عدد الزوار، حيث تجاوز عددهم 5.5 مليون زائر، متفوقاً على الرقم الذي سجله العام الماضي وهو خمسة ملايين زائر! وهنا لا بدّ من الإشادة بإقبال المصريين على الكتاب، وعلى حضور الفعاليات الثقافية المصاحبة رغم الصعوبات الاقتصادية التي تشهدها البلاد، فالثقافة هي أكثر الركائز التي قامت عليها الحضارة المصرية وأشدها ثباتاً وتماسكاً عبر التاريخ.

لكنّ؛ هل رقم خمسة ملايين ونصف، يعكس فعلاً قوة سوق الكتاب والنشر هناك؟ هل يُمثّل الحضور الحاشد في معارض الكتب العربية الرقم الصحيح لقوة القراءة، ومكانة الثقافة في المجتمعات العربية؟ متى يمكننا التوقف عن عدّ الزوار، وتصوير الازدحام كأن الزخم الجماهيري وكثافته دليلٌ على حيوية الثقافة؟

إذا كان الجمهور مقياساً، فلماذا يستمر الناشرون في الشكوى بعد كل معرض للكتاب، من أن إيراداتهم لم توفِ، أو بالكاد غطَّت نفقاتهم؟

الحقيقة أنه لا أحد راضياً عن مخرجات تلك المعارض؛ الجمهور يشتكي من جشع الأسعار، والناشرون يشتكون من غلاء التكاليف، والمثقفون يشتكون من التنظيم... لكن المشكلة الحقيقية أننا تجاوزنا معارض الكتب، لم نعد نرضى بما تقدمه، ولم يعد لديها أكثر لكي تقدمه... ولذلك عليها أن تتحول!

معارض الكتب العربية تواجه تحديات هيكلية مزمنة، أبرزها ارتفاع تكاليف الطباعة والشحن وضعف القدرة الشرائية للقراء، والاستيلاء على حقوق الملكية الفكرية، وضعف التسويق، والقيود التي تفرضها بعض الدول على حركة الكتاب... مع محدودية الفضاء الاقتصادي الذي تتحرك فيه سوق النشر، وإذا بقيت معارض الكتب العربية على حالها الراهن ستفقد حتى الزخم الجماهيري الذي لطالما تغنَّت به، وعدّته مؤشراً على نجاحها.

على المستوى العالمي، يُعدُّ معرض فرانكفورت للكتاب الأكبر في مجال النشر والتجارة، لكنه لا يجذب سوى مئات الآلاف من الزوار (على سبيل المثال سجل في عام 2025 نحو 238 ألف زائر)، ومثله معرض لندن الدولي للكتاب الذي في العادة يسجل أعداداً أصغر بكثير من ذلك (نحو 30 ألف مشارك فقط)، لأن هذين المعرضين ليسا مفتوحين للجمهور العام على قياس معارض الكتب العربية، بل يركزان (غالباً) على تجارة الحقوق والنشر.

يُعد معرض فرانكفورت المحرك الرئيسي لصناعة النشر عالمياً، أما معرض لندن (LBF) فيمثل المركز التجاري الأهم لتبادل الحقوق، كما يركز على الابتكار الرقمي، لذلك فأهمية المعرض ليست في بيع الكتب، فالكتاب ينبغي أن يكون متاحاً دائماً، ويمكن الوصول إليه، وحتى ليس في الفعاليات المصاحبة... أهمية المعرض أن يصنع سوقاً حقيقية ومربحة للنشر، ولدى معارض الكتب العربية فرصة ذهبية للتحول من «مهرجانات لبيع الكتب بالتجزئة» إلى منصات اقتصادية متكاملة، سواء عبر تفعيل دور «الوكيل الأدبي» كوسيط بين الكاتب والناشر، وتخصيص منصات احترافية لبيع الحقوق وعقد صفقات الترجمة، والتركيز على تسويق المحتوى العربي للمترجمين الأجانب، وليس فقط استيراد الكتب المترجمة.

كذلك، فإنه في معرَضي فرانكفورت ولندن، يتم التعامل مع حقوق النشر، بشكل أوسع من مجرد الطباعة، ليشمل استخدام مختلف الوسائط، مما يستدعي إنشاء ورش عمل تجمع الناشرين بمنتجي الأفلام، وصناع الألعاب، ومنصات البث (مثل «نتفليكس») لتحويل الروايات إلى محتوى مرئي.

يمكن لمعارض الكتب أن تسعى إلى تطوير سوق الكتاب الصوتي و«البودكاست»، ودمج قطاع التعليم المدرسي والجامعي بشكل أكبر في المعارض، مع التركيز على حلول التعلم الرقمي، وتطوير مختبرات الابتكار وتوفير مساحات لتبادل الخبرات للناشرين المستقلين والمؤلفين الذين ينشرون ذاتياً.

يمكن لمعارض الكتب، في شكلها الجديد، مساعدة الناشرين العرب على تطوير نظام توزيع الكتب، وإنشاء شبكة مشتركة لتخفيض تكاليف التوزيع، مع تشجيع قيام منصات رقمية للكتب الإلكترونية والصوتية مع حماية حقوق النشر.

في مجال الكتابة والتحرير، من الأهمية تحويل معرض الكتاب إلى فضاء تفاعلي، تقام فيه ورش الكتابة الإبداعية، واستوديوهات بودكاست، ومعامل طباعة فنية، ورفع مستوى جودة التحرير مع الاستفادة من ميزات الذكاء الاصطناعي.

الحضور الجماهيري الحاشد في معارض الكتب يمنحنا (ربما) شعوراً بالنشوة... لكنه لا يسمن ولا يغني من جوع، ما دام مؤشر صناعة النشر وتطوير الثقافة سالباً. وما دام عناصر الحضور من ناشرين ومثقفين وجمهور لا يشعرون بأنهم رابحون في هذا العرس الحاشد!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد