: آخر تحديث

السيادة السردية وقوة الدول

2
3
1

ما نلاحظه في السنواتِ الأخيرة هو تحوّلٌ نوعيٌّ في موازين القوة داخلَ النظام الدولي، حيث لم يعد الإنجازُ المادي وحدَه كافياً. فقد أصبحَ التحكم في المعنى عاملاً أكثرَ عمقاً وتأثيراً، لأنَّه هو الذي يمنح الإنجازَ المادي بعده القيميَّ وقدرتَه على التأثير في البيئة الدولية. وهكذا، لم تعدِ النجاحاتُ في حدّ ذاتها كافية، ما لم تقترن بالقدرة على فرض إطارٍ معيّن لقراءتها وفهمها. وفي هذا السياق، تعني السيادةُ السرديةُ امتلاكَ القدرة على التحكم في الرواية التي تُمنح للإنجازات المادية والسياسية والاقتصادية، وتحديد الكيفية التي يُنظر بها إليها دولياً. السيادة السردية هي قوة حديثة تحدد مدى قدرة الدول على التحكم في الرواية التي يُقدَّم من خلالها وضعها السياسي والمؤسساتي، وكيفية إدراكه وفهمه على الساحة الدولية.

ولكن ما السيادة السردية بالضبط؟ إنها ليست تواصلاً ولا دعاية؛ بل هي القدرة على تحديد المفاهيم، وضبط المفردات، وفرض إطارٍ للتفكير حتى على الخصوم. والفكرة المحورية هنا أن من يحدد السؤال هو من يتحكم في الجواب.

فالولايات المتحدة تمارس هيمنة على المستوى الدولي لأنَّها نجحت، عبر عقود من الزمن، في خلق وحدة سردية بين الثقافة والتكنولوجيا والجامعة والدبلوماسية. وبهذا المعنى، لم يتم إنكار الإخفاقات، بل جرى استيعابها داخل الرواية الكبرى بدل نفيها. والدرس المستخلص من هذه التجربة الفريدة هو أن إنتاج الإطار الذهني أهم من إقناع الجميع به.

أمَّا الصين، فقد اعتمدت مقاربة السردية الهجومية المتكررة، حيث تبنّت منذ البداية رواية واحدة تقوم على تسلسل واضح: الإذلال، ثم النهوض، ثم القوة المسؤولة. وتقوم هذه المقاربة على تغيير الأجندة بدل الانشغال بالرد على الانتقادات. والدرس المستخلص من هذه التجربة هو أنَّ الانضباط السردي هو ما يصنع الفعالية.

تمثّل اليابان ورواندا، رغم الفارق الشاسع بينهما، مثالين آخرين على التحكم في الرواية. فقد اكتسبت اليابان قوة التجسيد الصامت لهوية لا ينازعها فيها أحد، تقوم على المصداقية والجودة، والذوق الجمالي، والحداثة المنضبطة. أما رواندا، فقد انتقلت من سردية الإبادة إلى سردية الدولة الناجعة. وقد اتسمت هذه العملية بانضباط صارم في الرسالة، حيث جرى الربط بين الحكامة والاستقرار والتوجّه نحو المستقبل. ولا تتحدث رواندا كثيراً عن الماضي، لكنها تتحكم بدقة في الكيفية التي يُستحضر بها.

المشترك بين هذه الدول ذات السيادة السردية أنَّها تعتمد على سرد مركزي واضح (مُخْتصَرٍ في جملة واحدة) وتمتلك قنوات متعددة لتصريفه وتستبق الصراع الساري ولا تنتظر حدوثه، وتتبنى استمرارية في الزمن ولا تعتمِد على ردود فعل ظرفية.

المغرب ودول عربية خليجية حقَّقت إنجازات كبيرة وسط استقرار مؤسساتي قوي ورؤى ملكية وأميرية واضحة معتمِدة على رموز قوية (مثل أفريقيا والأطلسي والرياضة بالنسبة للمغرب؛ أو النجاحات العمرانية والتكنولوجية، والريادة الجهوية والعالمية والإنجازات الإعلامية والدبلوماسية فيما يخص دول الخليج...). المشكل ليس في غياب السرد، ولكن في تحويله إلى إطار مهيمن. الانتقال المطلوب في هذه البلدان هو من بلدان تنجح إلى بلدان تَفرِض طريقة فهم نجاحاتها. وهذا يقتضي استباق السرديات المضادة حول حقوق الإنسان والبيئة والمرأة والفكر المحافظ وتبنيها، ولكن بشكل مختلف في إطار سردي يخدم سيادتها وقوتها السردية.

بالنسبة للمغرب، يَطرَح سؤال النموذج السردي نفسه اليوم بإلحاح غير مسبوق: أي سردية نريد في أفق 2030، وبأي منطق تُبنى وتُدار؟ تتقاطع حول المغرب اليوم مقاربات سردية عدة. أولها سردية دفاعية، متحكَّم فيها، تعتمد على التعبئة الشعبية وارتفاع منسوب الوعي لدى النخب المدافعة عن صورة البلاد ومصالحها. وثانيها قوة صامتة قائمة على المصداقية، تجسّدها مؤسسات دولة قوية، مستقرة، وفعّالة، تشتغل أكثر بالفعل من الخطاب. غير أنَّ هاتين المقاربتين، على أهميتهما، تظلان غير كافيتين ما لم تُترجما إلى سيادة سردية واعية ومتحكَّم فيها.

الرهان اليوم ليس تغيير الرواية، ولا اختراع سردية جديدة، بل تحويل الرواية القائمة إلى بنية ذهنية مرجعية: إطار تفكير، ولغة تفسير، وعدسة قراءة يُفهم من خلالها المغرب، داخلياً وخارجياً. سردية لا تكتفي بالدفاع، بل تُؤطّر النقاش، وتحدد الأسئلة، وتفرض الإيقاع.

في هذا السياق، يصبح أفق 2030 أكثر من مجرد اختبار تنظيمي أو لوجيستي؛ إنه اختبار سردية تنظيمية بامتياز. ففي عالم يتنافس على المعنى قبل الوقائع، وعلى التأويل قبل الحدث، من لا يفرض لغته يُقرأ بلغة غيره، ومن لا يُعرِّف نفسه يُعرَّف من الخارج.

السيادة السردية ليست ترفاً خطابياً ولا تعبيراً عن غرور وطني، بل هي شرط من شروط القوة الحديثة: قوة التأثير، وقوة الإقناع، وقوة الحضور في عالم تحكمه الروايات بقدر ما تحكمه الوقائع.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد