: آخر تحديث

المنتدى السعودي للإعلام وصناعة التأثير العالمي

2
2
2

الإعلام السعودي اليوم يعيش لحظة مفصلية، لحظة انتقال من رد الفعل إلى الفعل، ومن المحلية المحدودة إلى العالمية الواثقة.. والمنتدى السعودي للإعلام هو أحد أهم تجليات هذه اللحظة؛ مساحة تقول بوضوح إن المملكة لا تكتفي أن تكون موضوعًا في الإعلام العالمي؛ بل تسعى لأن تكون أحد صانعيه..

في النسخة الخامسة من انعقاد المنتدى السعودي للإعلام، لم يعد السؤال المطروح: ماذا يقول الإعلام السعودي؟ بل بات السؤال الأهم: كيف يصنع الإعلام السعودي السردية، وكيف يؤثر في تشكيل الوعي، داخليًا وخارجيًا؟

هذا التحول الجوهري هو ما جعل المنتدى يتجاوز كونه حدثًا مهنيًا دوريًا، ليصبح مرآة ناضجة لتحولات أعمق يعيشها الإعلام في المملكة، وتحولات أشرفتُ على مناقشتها والمشاركة فيها كمتحدثة ضمن حواراته ومحاوره المتعددة.

اليوم، يقف الإعلام السعودي في موقع مختلف تمامًا عمّا كان عليه قبل أعوام. لم يعد ناقلًا للخبر فحسب، ولا مكررًا للسياق، بل أصبح صانعًا للسردية، وفاعلًا رئيسيًا في تشكيل الرأي العام إقليميًا ودوليًا. هذا التحول لم يأتِ مصادفة، بل نتاج رؤية استراتيجية واعية تدرك أن الإعلام لم يعد مجرد أداة تواصل، بل قوة ناعمة مؤثرة تعكس ثقل المملكة السياسي والاقتصادي والثقافي.

ما يلفت الانتباه في المشهد الإعلامي السعودي المعاصر هو المهنية العالية التي باتت سمة أساسية في الخطاب والممارسة. مهنية لا تنفصل عن الوعي بالسياق العالمي، ولا تتجاهل خصوصية الهوية الوطنية. إعلام يعرف متى يخاطب الداخل بثقة، ومتى يتحدث إلى العالم بلغة يفهمها ويحترمها، دون أن يفرط في ثوابته أو رسالته.

من هنا، تتضح أهمية المنتدى السعودي للإعلام كمنصة حوارية تتجاوز الشكل التقليدي للمؤتمرات. فالمنتدى ليس مجرد تجمع مهني أو احتفالية إعلامية، بل مساحة تفكير مشترك تجمع صنّاع القرار الإعلامي من داخل المملكة وخارجها، وتفتح نوافذ حقيقية للنقاش حول مستقبل الإعلام، تحدياته، وفرصه.

ما يميز تجربة المنتدى في نسخته الخامسة هو هذا الإحساس الواضح أنه "مختبر أفكار" أكثر من كونه برنامج جلسات. مختبر تُطرح فيه الأسئلة الصعبة، وتناقش فيه التحولات التقنية والمهنية بجرأة، وتُبنى فيه شراكات لا تقوم فقط على تبادل المصالح، بل على تبادل الرؤى والخبرات. المنتدى لا يكتفي بتشخيص الواقع، بل يستشرف القادم، ويضع الإعلام السعودي في قلب النقاش العالمي حول الذكاء الاصطناعي، والمنصات الرقمية، وأخلاقيات المهنة، ومستقبل صناعة المحتوى.

مشاركتي كمتحدثة في هذا المنتدى لم تكن مجرد حضور رمزي، بل تجربة حوارية ثرية أتاحت لي ملامسة هذا النضج عن قرب. نقاشات عميقة، جمهور مهني واعٍ، وأسئلة تعكس وعيًا متقدمًا بدور الإعلام ومسؤوليته في زمن تتسارع فيه التحولات وتتداخل فيه الحدود بين الخبر والرأي، وبين التأثير والتضليل.

ولا يمكن الحديث عن تطور الإعلام السعودي دون التوقف عند الدعم الذي توليه المملكة لهذا القطاع الحيوي. دعم لا يُختزل في البنية المؤسسية أو التمويل، بل يتجلى بوصفه استثمارًا حقيقيًا في الإنسان والمعرفة والتقنية. المملكة اليوم تراهن على الكفاءات الوطنية، وتعمل على تمكينها، وتفتح أمامها مساحات التدريب والتجريب والابتكار.

هذا الدعم يظهر كذلك في تحديث التشريعات الإعلامية، ومواكبة التحولات الرقمية بثقة واستباقية، لا بردة فعل. تشريعات تفهم طبيعة الإعلام الجديد، وتحاول أن توازن بين حرية التعبير والمسؤولية المهنية، وبين الانفتاح والحفاظ على القيم، وهو توازن دقيق، لكنه ضروري في عالم مفتوح لا يعترف بالحدود التقليدية.

المنتدى السعودي للإعلام، في نسخته الخامسة، جاء ليؤكد أن المملكة لا تنظر إلى الإعلام بوصفه تابعًا للتحول، بل شريكا فيه، شريك في التنمية، وفي بناء الصورة الذهنية، وفي صناعة المستقبل. وهو ما يجعل من تعظيم أثر هذا المنتدى ضرورة لا ترفًا، عبر تحويل توصياته إلى سياسات، ونقاشاته إلى برامج عمل، وشراكاته إلى مشاريع مستدامة.

في النهاية، يمكن القول إن الإعلام السعودي اليوم يعيش لحظة مفصلية.. لحظة انتقال من رد الفعل إلى الفعل، ومن المحلية المحدودة إلى العالمية الواثقة.. والمنتدى السعودي للإعلام هو أحد أهم تجليات هذه اللحظة؛ مساحة تقول بوضوح إن المملكة لا تكتفي أن تكون موضوعًا في الإعلام العالمي؛ بل تسعى لأن تكون أحد صانعيه.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد