: آخر تحديث

الصين وأميركا.. الاقتصاد أم النموذج؟

1
0
1

ليس ما يدور بين بكين وواشنطن مجرّد حرب رسوم جمركية، ولا سباقاً اقتصادياً، ولا معركة على تايوان. ما يحدث أعمق بكثير: إنه صراع حول كيف يبني العالم نفسه؟ هل يُبنى عبر الديمقراطية الليبرالية، كما تقول أمريكا؟ أم عبر دولة قوية تخطط وتُوجّه وتحمي مسار النمو، كما تقول الصين؟ هذا هو لبّ الصراع.
عندما كسرت الصين «القانون الغربي» منذ الحرب العالمية الثانية، فرض الغرب معادلة واحدة على العالم: لا تنمية في السوق من دون الديمقراطية الليبرالية. لكن الصين جاءت من خارج النص، دولة بلا انتخابات تنافسية، دولة بحزب واحد، وقبضة مركزية. ومع ذلك، حققت أعظم قفزة في تاريخ البشرية. من فقر السبعينيات، إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم. لم يحدث هذا بسبب الديمقراطية الليبرالية، بل لأن الدولة كانت قوية وذكية، وقاسية أحياناً. دولة خططت الصناعات، موّلت الشركات، حَمَت الأسواق، وفرضت التكنولوجيا. وهكذا أغلقت الأبواب في وجه المتنافسين حتى يكبر «طفلها» الصناعي. وهذا يُخالف كل ما بشّرت به واشنطن منذ 1945.
أمريكا ليست خائفة من «قوة الصين»، بل من «عدوى الصين». الخطر الحقيقي ليس في أن تصبح الصين أغنى، بل من أن تقول الدول النامية: «إذا كانت الصين نجحت من دون ديمقراطية ليبرالية، فلماذا نتّبع وصفات واشنطن وصندوق النقد؟». وهنا يبدأ الانهيار الذي تخشاه أمريكا. وفي مقارنة بين النموذجين نجد نموذج أمريكا: «السوق يحكم الدولة»، بمعنى آخر الشركات أقوى من الحكومة أحياناً، برأس مال ينتقل بحرية، والدولة لا تتدخل إلا إذا انهار كل شيء. هذا النموذج يبدو جاذباً، لكونه يُنتج ابتكاراً هائلاً، وثروة ضخمة، لكنه في المقابل يُنتج تفاوتاً فاحشاً، وهشاشة اجتماعية، وانفجارات، نذكر منها ما حدث في الأعوام 1929، و2008، و2020.
نموذج الصين في المقابل: يتكلم العكس، عن «دولة تحكم السوق»، وحزب يحكم الاتجاه، وتكنولوجيا تخضع للسيادة، والشركات تُكافأ أو تُعاقَب حسب خدمتها الوطنية. هذه المعايير التي بدت قاسية ومُجحِفة، في نظر الغرب، قادت الصين نحو نمو مُستقر، وبنية تحتية مذهلة، وحرية سياسية محدودة، لكنها مُراقبة. ثم عززّت نظامها بانفتاح مدروس ما خلق طبقة وسطى ضخمة، ومجتمعاً آمناً.
هناك تباين واضح بين النموذجين. الصراع ليس من يصنع الهواتف، بل من يُصنّع هواتف أكثر. والخوف هو أيّ نموذج سيصبح القالب الذي تقتدي به الدول؟ أمريكا تحتاج أن يظلّ العالم مفتوحاً معتمداً على الدولار، خاضعاً للنظام المالي الأمريكي. بينما الصين تريد عالماً مُتعدّد الأقطاب، تحكمه الدول لا الأسواق، تُتَداول فيه العملات المحلية، ولا تستطيع واشنطن خنقه بعقوبة «كبسة زر».
لماذا الحرب التجارية والتكنولوجية الشرسة؟ لأن من يُسيّطر على الرقائق الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، وسلال التوريد، وشبكات الجيل الخامس، يُسيّطر على القرن المقبل. هو ليس سباق مال، بل سباق على قواعد اللعبة. سباق على روح النظام العالمي. هل سيكون عالم الشركات الخاصة، والهيمنة المالية؟ أم عالم الدولة القوية والسيادة الاقتصادية؟ في هذا الصراع الدول لا تختار من تتعامل معه فقط، بل تختار أي مستقبل تريد أن تعيش داخله. وهذا أخطر قرار في القرن الجاري.
العالم يعيش اليوم مفارقة غريبة: النظام الليبرالي ولد في الغرب بوصفه مشروع حرية، وأسواقاً مفتوحة، لكنه تحوّل مع الزمن إلى آلة يقف فيها الدولار، لا كعملة، بل كأداة سلطة بين عقاب ومكافأة.
في القرن المقبل، لن يكون الصراع بين أمريكا والصين مُجرّد صراع دول، بل صراع نماذج حضارية للمال والسلطة. الليبرالية حين تتحول من حرية إلى هيمنة، تصبح الشركات أقوى من الدول، والمصارف المركزية أهم من البرلمانات. والديمقراطية تُصَوّت وتسمح بانتخابات، لكن أسواق المال هي التي تقرر. وأثبتت أزمة عام 2008 أن العالم أمام نظام يحمي المال، أكثر مما يحمي البشر.
بعد الحرب العالمية الثانية، أعطى صعود الدولار أمريكا قوة لم تمتلكها إمبراطورية في التاريخ. لكن اليوم، النموذج الصيني جاء بالقاعدة مقلوبة، الشركات في خدمة الدولة لا الدولة في خدمة الشركات. الصين تقول: «نموّلك باليوان ولا نسيطر على مصارفك وسياستك.» وهذا وحده كاف ليرعب واشنطن. الخطر هو ألّا يعود العالم محتاجاً إلى الدولار. الخطر أن يجعل النموذج الصيني واشنطن غير ضرورية.
..أمريكا تخاف لحظة يقول فيها العالم: «نريد أن نكون صينيين.. اقتصادياً».

* كاتبة وباحثة في الدراسات الإعلامية


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد