في المقالة السابقة المعنونة بـ»بشارة رقمية» وبعد أن جرى تفكيك مفردة «أبشر» بوصفها فعلَ بشارةٍ رقميّة، لا تكتفي بالخدمة بل تُعيد تعريف العلاقة بين اللغة والدولة، جاءت تجربة «توكلنا» امتدادًا طبيعيًا لذلك الوعي اللغوي ذاته، ولكن في ظرفٍ عالمي أكثر حرجًا، حيث لم تعد البشارة كافية، فالعالم حينها كان بحاجة إلى الطمأنينة أيضا، ومن هنا وفي ذروة الارتباك الكوني الذي صنعته جائحة كورونا، لم تكن اللغة ترفًا ولا مجرد غلافٍ شكلي للقرارات والإجراءات، بل كانت جزءًا أصيلًا من إدارة الخوف نفسه.. في تلك اللحظة الحرجة، حين كان العالم يعيد تعريف معنى الأمان، جاء اختيار اسم التطبيق الحكومي السعودي «توكلنا» بوصفه فعلًا لغويًا واعيًا، لا يقل أهمية عن أي بروتوكول صحي أو إجراء احترازي، فـ «توكلنا» ليست كلمة عابرة في المعجم العربي، ولا مفردة حيادية يمكن استبدالها بسهولة، هي كلمة مشبعة بتاريخٍ روحي، ومحمّلة بثقلٍ وجداني، تنتمي إلى منطقة عميقة من الوعي الجمعي، حيث يتجاور الإيمان بالفعل مع الاطمئنان إلى المصير، فالتوكل في جوهره اللغوي والفلسفي، ليس استقالة من المسؤولية، بل هو أعلى درجات الفعل الواعي، حين يؤدي الإنسان ما عليه، ثم يسلّم قلبه لما هو أكبر منه.
من هنا، يمكن النظر إلى «توكلنا» بوصفه امتدادًا طبيعيًا لتلك الفلسفة اللغوية التي حضرت في تسمية تطبيق «أبشر»، فكما كانت «أبشر» فعل بشارة، يحمل وعدًا بالخدمة واليسر والانفتاح، جاء «توكلنا» فعل طمأنينة، يربط التقنية بالثقة، والإجراء بالسكينة،كلا الاسمين لا يصفان وظيفة تقنية فحسب، بل يقترحان علاقة إنسانية بين الدولة والمواطن، تقوم على اللغة بوصفها جسرًا نفسيًا قبل أن تكون أداة إجرائية.
وفي لحظة عالمية مشحونة بالخوف، كان يمكن اختيار اسم تقني بارد، أو مصطلح صحي مباشر، أو رمز رقمي محايد، لكن اختيار «توكلنا» انحاز إلى الإنسان أولًا.. انحاز إلى حاجته للاطمئنان بقدر حاجته للمعلومة، فاللغة، في أزمنة الأزمات، تتحول إلى دواء غير مرئي، وإلى يدٍ تربت على كتف القلق الجمعي.
من الناحية الدلالية، يحمل «توكلنا» صيغة الجمع، وهي صيغة بالغة الأهمية في هذا السياق، لم يقل الاسم «توكل»، ولم يقل «توكلت»، بل قال «توكلنا»، نحن معًا الدولة والمجتمع، الفرد والمؤسسة، في مركب واحد، وهذه الصيغة الجمعية في حد ذاتها، كانت رسالة تضامن لغوية، تعيد ترميم الشعور بالوحدة الإنسانية في زمن التباعد الجسدي.
كما أن اقتران التوكل بتطبيق رقمي حديث يكسر الثنائية الزائفة بين الإيمان والتقنية.. «توكلنا» يقول، ضمنيًا، إن الاعتماد على الله لا يتناقض مع العلم، وإن الثقة بالمصير لا تلغي الأخذ بالأسباب، بل إن التقنية هنا تصبح جزءًا من فعل التوكل نفسه، أداة تنظيم، وضبط، وحماية، لا مجرد وسيلة مراقبة أو تسجيل بيانات.
لقد نجح الاسم في أداء وظيفة مزدوجة: وظيفته الإجرائية كمنصة تنظيمية، ووظيفته الرمزية كخطاب لغوي يهدئ، ويشرح، ويواسي، وهذا ما يجعل «توكلنا» أكثر من تطبيق؛ يجعله نصًا ثقافيًا قصيرًا، مكتوبًا بلغة مألوفة، في لحظة كان فيها العالم بحاجة إلى مفردات أقل صخبًا، وأكثر قربًا من القلب.
وكما كانت «أبشر» عنوانًا لمرحلة التحول الرقمي بوصفه وعدًا، جاء «توكلنا» عنوانًا لمرحلة الاختبار الإنساني بوصفه طمأنينة. وبين الوعد والطمأنينة، تكتب اللغة السعودية الحديثة سطرها الخاص: لغة لا تفصل التقنية عن الإنسان، ولا تفصل القرار عن المعنى.

