: آخر تحديث

السيرة الذاتية بين «الملائكية والشيطانية»

2
3
3

سهام القحطاني

أثار الفيلم السينمائي «الست» الذي يتحدث عن جزء من السيرة الذاتية «للمطربة أم كلثوم» جدلاً واسعاً، لأنه ركز على العادات الخفية السلبية لأم كلثوم عن الجمهور، وسواء أكانت تلك العادات حقيقة أو مختلقة إلا أن الجمهور رفضها؛ لأنها شروخ في رمز الكمال الذي اعتاد الجمهور العربي أن يؤطر أم كلثوم داخله.

الحقيقة أن الجدل وإن بدا محدود الخصوصية في ظاهره إلا أنه شمولي على مستوى الذهن الجمعي العربي سواء بفضل ما توارثناه من مفهوم السيرة الذاتية المكتوبة بقلم الغير، أو التغييرات التي طرأت على ذلك المفهوم وأسبابها، ويمكن أن نحدد لهذه الحالة ثلاثة أسباب:

* السبب الأول: أننا كشعوب عربية نميل إلى تخليد رموزنا كتماثيل ملائكية، باعتبارهم قدوة للأجيال، ونرفض أي شبهات أخلاقية أو سلوكية قد يُثيرها الكاتب الغيري للسيرة الذاتية للمؤثرين.

إن نزعتنا إلى الكمال والمثالية تتجلى من خلال ما نؤمن بهم من رموز، وهو ما يضفي الصدقية والواقعية على هذا الإيمان، فالمبدع والتنويري والرائد صفات كما نعتقد لا يمكن أن تتحقق إلا في ضوء كمال ومثالية خاصتين عند هؤلاء؛ فإذا قلت في فيلم سينمائي إن المتنبي كان مريضاً نفسياً، ستتعرض إلى الهجوم من أنصار المتنبي أو من يعرفه وليس من أنصاره، والسبب رمزية الكمال التي يحظى بها في ميراثنا التاريخي، والتي نرى أنفسنا فيها وليس «حباً» في ذات المتنبي، وهذه الخاصية ذاتها هي التي جعلت الأوائل يحولون رموزهم إلى تماثيل ثم يعبدونهم؛ باعتبارهم يمثلون رمزية الكمال الذي يفتقدونها، فالإنسان يحتاج دوماً إلى رمزية للكمال ليستظل تحتها وإن لم يتقيد بها.

والتشكيك في كمالية الرمز بإضافة خاصية إنسانية يتصف بها العاديون، هو هدم لرمزية الاستظلال، لذا يرفض الذهن الجمعي التشكيك في كمالية الرمز وإنزاله إلى صفوف العاديين.

* السبب الثاني: أن أخلاقياتنا كعرب ومسلمين تحافظ على «حرمة الأموات وسيرهم» وتعتبر التعرض للجوانب غير الجيدة في سيرهم هي «غيبة» وفعل وقول غير حميدين.

وهذا المنهج الأخلاقي الذي تتربى عليه الشعوب العربية يعزز قدسية سيرة الموتى، في العموم تُشدد على الالتزام بها عند الرموز.

* السبب الثالث: اختلاف الهدف التسويقي للسيرة الذاتية، كان الهدف من كتابة السيرة الذاتية للمؤثرين عبر التاريخ التركيز على مراحل رحلة إنجازاتهم وتحويلهم إلى أبطال بصرف النظر عن صفة البطولة الممثلة المنسوب لهم، ليصبحوا خارطة طريق للأجيال.

لذا فإن تسليط الضوء على مناطق ضعفهم وسلبيات أخلاقهم وسلوكياتهم هي شروخ في إطار تلك البطولة، وهذه الانتقائية هي التي تحول الشخصية إلى رمزية تمثال.

كما أسهمت النظريات النفسية في التحول في مفهوم كتابة السيرة الذاتية، فلم تقتصر على تاريخية شخصية المؤثر، بل أصبحت أيضاً تعتمد على النظريات النفسية في تحليل سلوكه وأفعاله والتي كشفت جوانب الضعف داخل الشخصيات التاريخية المؤثرة، ولعل «العبقريات» للعقاد خير مثال على هذا المنهج.

ظلت السيرة الذاتية تنحو في هذا الاتجاه ما بين التوثيقية والتحليلية إلى زمن اكتشاف السينما، وتوافق هذا الاتجاه مع تغير ميول الجمهور وموقفه من «موضوع المثالية»؛ فكلما ارتفع وعي الجمهور بضوابط الواقعية تراجع إيمانه بمسألة الكمالية والمثالية المفرطتين، إضافة إلى -وهو الأهم- أن السينما استحدثت مفهوم «الخارق» ليحلّ محل المؤثر التاريخي وربطته برمزية الكمال، وليس المثالية.

فالبطل الخارق قد يكون جزءاً من الشر، وليس ممثلاً للخير المطلق كما تعودنا في المفهوم التقليدي لكتابة السيرة.

والأخطر أن البطل الخارق بديل المؤثِّر التاريخي الحقيقي تخلى عن قيمة الأخلاق كأولوية تؤطر التحول من رمزية مثالية للبطل أو المؤثر إلى رمزية البطل الخارق الذي يخوض صراعاً، فيحارب الشر بالشر، وهو ما انعكس سلبًا على جاذبية الخير.

إن قالب السيرة الذاتية الحديث المرتبط بالسينما أصبح يعتمد على الجوانب السلبية والشريرة للمُؤثر التاريخي؛ لأنها مصادر ثرية لصناعة الإثارة والتشويق والجدل وهو ما يسعى إليه الجمهور.

إن الجمهور اليوم وبخاصة الشباب الذين يمتلكون معاييرهم للرموز والبطولة، يميلون إلى اكتشاف الجوانب الخفية للشر داخل كل إنسان وبالأخص للمؤثر، فهم لا يحتاجون إلى القدوة الملاك، بل يسعون إلى الاستمتاع بالجوانب المثيرة داخل الإنسان؛ الفشل واليأس والشر والخطيئة؛ أي الإنسان في جانبه الشيطاني.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد