: آخر تحديث

التستر الاستثماري يفرغ التنمية من مضمونها

2
2
3

يحمل كل منا في داخله حلماً؛ أن يرى وطنه ينمو ويتطور، بتحول الأفكار إلى مصانع، والطموحات إلى فرص عمل حقيقية، هذا هو الهدف الأسمى لفتح أبوابنا أمام الاستثمار الأجنبي المباشر؛ لكي يكون شرياناً حيوياً يضخ في جسد الاقتصاد الوطني دماء جديدة من الخبرة والتقنية والعمل، وهو ما نعول عليه في تحقيق مستهدفات التحول الاقتصادي.

نتطلع بصدق إلى الاستثمار الأجنبي كقوة دافعة قادرة على تحقيق تحول حقيقي، وليس مجرد تدفق للأموال، بل وسيلة لتوطين الصناعات المتقدمة، ونقل التقنية الحديثة، وفتح آفاق تصدير جديدة لمنتجاتنا المحلية، ببساطة، هو استثمار في المستقبل يرفع كفاءة الإنتاج ويزيد من تنافسية اقتصادنا غير النفطي.

لطالما عرفنا خطر التستر التجاري التقليدي، تلك الظاهرة الهامشية التي كانت تدير أعمالها في الخفاء؛ لكن التحدي الأكبر والأخطر اليوم، ظهور شبح «التستر الاستثماري»، هنا تكمن الصدمة؛ فالظاهرة لم تنحسر، بل ارتدت عباءة نظامية براقة لتصبح أكثر فتكاً واستنزافاً للاقتصاد، فالاستثمار الأجنبي الذي يفترض أن يكون وسيلة للتنمية، أصبح في بعض الحالات غطاءً لـ»إعادة تدوير الأموال المحلية» بواجهة أجنبية.

هذا النمط من التستر هو في الحقيقة «استثمار ذو عائد صفري» على المستوى الكلي؛ لأن الاقتصاد الوطني لم يستفد من تدفقات رأسمالية جديدة، بل هو أموال خرجت من الدورة الاقتصادية المحلية وعادت بهوية مغايرة، مما يمثل تلاعباً بمؤشرات الاستثمار الأجنبي المعلنة.

والأخطر أن هذا النمط يتميز بتمركز مقلق في القطاعات الاستهلاكية مثل تجارة الجملة والتجزئة، دون التوجه للقطاعات المنتجة التي تصنع قيمة مضافة حقيقية وتنقل تقنية، وهذا السلوك يفرّغ الاستثمار الأجنبي من مضمونه التنموي، محولاً إياه من أداة بناء إلى مجرد أداة لإعادة التموضع والتحايل على النظام، وهو ما يفرض إقصاءً صامتاً لرجال الأعمال السعوديين الملتزمين.

في تقديري.. التحدي يكمن في تطوير البنية التشريعية لتصبح أكثر مرونة وقدرة على الفصل بين الاستثمار الحقيقي والشكلي، بتحديث اللوائح والأنظمة لتشمل تعريفات دقيقة للجدوى الاقتصادية، تضمن توجيه الاستثمارات نحو القطاعات ذات الأثر التنموي العميق.

ويتطلب هذا الأمر رؤية اقتصادية ثاقبة تعيد هندسة حوافز الاستثمار، لتربطها مباشرة بمعايير الأداء المتعلقة بتوطين الصناعات، ونقل التقنية، ورفع نسبة المحتوى المحلي.

إن أشد ما يتطلبه الأمر الآن هو إرسال رسالة حازمة أن التستر الاستثماري يستحق التجريم والعقاب النظامي، فيجب التعامل معه كجناية اقتصادية تقوّض أسس التنمية، وتفقد البيئة الاستثمارية جاذبيتها الحقيقية، وينبغي أن تضمن البنية التشريعية الجديدة تغليظ العقوبات لتكون رادعة وموازية لحجم الضرر الاقتصادي والاجتماعي الذي تسببه هذه الممارسات الملتوية.

لقد أضحى التستر الاستثماري وجهاً جديداً، أكثر خطورة من التستر التجاري القديم، فهذه الممارسة تتخفى في عباءة النظام وتستنزف اقتصادنا بهدوء، والمطلوب اليوم هو مواجهة صريحة وحاسمة تضمن أن يكون الاستثمار الأجنبي وفياً لوعده التنموي، ولا يتحول إلى أزمة تفتك بفرص النمو الوطني.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد