رشاد أبو داود
يتعانق العقربان عند منتصف ليلة السنة الجديدة. عناق لثوانٍ، لكنه فراق بين سنة وسنة في عمر الزمن، المتفائلون يتمنون ألّا يطول العناق لكي يحتفلوا بعام جديد يحمل الأمل، ويمحو ما مر في سابقه من ألم.
المتشائمون يودون أن يلتصق العقربان، ويتوقف الزمن. هؤلاء يخشون ما قد يأتي به العام الجديد، لكن الزمن لا يتوقف، ولا المستقبل تصنعه الأمنيات.
واقعياً، لا شيء سحرياً يحدث عند منتصف الليل. الصراعات لا تتوقف، العدالة لا تستعاد، والذاكرة لا تمحى، غير أن إصرار البشر منذ قرون على الاحتفاء بالسنة الجديدة ليس فعل سذاجة، بل حاجة نفسية وأخلاقية عميقة، تتمثل في الحاجة إلى الإيمان بأن الاستمرار ممكن وأن التغيير، ولو بطيئاً، لم يغلق بابه.
السنة الجديدة في معناها الأعمق ليست وعداً بالمستقبل بل اختبار للحاضر، ولمدى قدرتنا على التعلم من الأخطاء، وعلى تحويل الألم إلى وعي، والكارثة إلى فرصة للنجاح، وهي أيضاً مرآة قاسية، تكشف الفجوة بين ما تقوله البشرية عن القيم، وما تمارسه باسم المصالح.
سؤال الزمن شغل الفلاسفة منذ البدايات، لأنه يمس الوجود والوعي والمعنى.
أفلاطون رأى أن الزمن صورة متحركة للأبدية، فالأبدية تخص عالم المثل، أما الزمن فيخص عالم التغير. أرسطو عرف الزمن بأنه عدد الحركة بحسب قبل وبعد، فالزمن لا يوجد بذاته، بل يقاس بالحركة والتغير، ومن دون عقل يعد ويقيس، لا معنى للزمن. إنه علاقة بين التغير والإدراك.
ابن سينا اعتبر الزمن مقدار الحركة، لكنه أكد أن إدراكه ذهني، فالزمن مرتبط بالطبيعة، لكنه لا يفهم إلا بالعقل، وهو ليس جوهراً مستقلاً بل عرض من أعراض الوجود المتغير، أما ابن خلدون فقد رأى الزمن كونه حركة دورية للعمران البشري، نشوء فازدهار ثم انحطاط، وفي مفهومه أن الزمن هنا قوة فاعلة في مصير المجتمعات لا مجرد إطار محايد.
لحظة الانتقال من 2025 إلى 2026 لم يتغير العالم، ما تغير هو إحساسنا بالزمن.
العالم يدخل العام الجديد وهو مثقل بما لم يحل في العام الماضي. الحروب لم تتوقف احتراماً للتقويم، والفقر لا يتراجع بدافع التمنيات، والعدالة لا تأتي متأخرة لتعتذر، مع ذلك يصر البشر على الاحتفال، وكأنهم يعلنون عن وعي أو دون وعي، رفضهم القبول بأن الواقع هو الكلمة الأخيرة في التاريخ.
السنة الجديدة لا تغير العالم، لكنها تكشفه. تكشف حجم الهوة بين ما نرفعه من شعارات إنسانية وما نمارسه من سياسات قاسية، بين خطاب السلام ومنطق القوة، وبين القيم التي ندرسها والأفعال التي نبررها. إنها مرآة قاسية، لكنها ضرورية، لأن المجتمعات التي لا تراجع نفسها محكوم عليها بتكرار أخطائها.
في النظام الدولي الراهن، يبدو العالم أقل يقيناً، وأكثر توتراً. الثقة بالمؤسسات تتآكل، القانون الدولي يختبر بانتقائية فاضحة، والمعايير الأخلاقية تعاد صياغتها وفق ميزان المصالح لا ميزان العدالة، وفي ظل هذا المشهد تأتي السنة الجديدة لا بوصفها وعداً بالخلاص، بل كونها سؤالاً مفتوحاً: إلى أين نمضي إذا واصلنا السير بالمنطق نفسه؟
رمزياً تمثل السنة الجديدة نوعاً من الهدنة النفسية مع اليأس. لحظة يتفق فيها البشر، رغم اختلاف ثقافاتهم ولغاتهم، على الاعتراف بأن الاستمرار يستحق المحاولة. هذا الاتفاق الصامت ليس تفصيلاً، بل أحد أسرار بقاء المجتمعات، فالأمم لا تنهار فقط حين تهزم عسكرياً، بل حين تفقد قدرتها على تخيل مستقبل مختلف.
الأمل كي لا يتحول إلى وهم يحتاج إلى وعي. الأمل الأعمى لا يبني عالماً أفضل، بل يؤجل مواجهة الحقيقة، أما الأمل المسؤول، فهو الذي يرى الخراب ويسميه باسمه، ويعترف بالأخطاء دون أن يبررها، ثم يبحث عن مسارات واقعية للتغيير، ولو كانت بطيئة ومكلفة.
السنة الجديدة لا تطلب من العالم مجرد التفاؤل، بل الصدق مع الذات، صدق في تشخيص الأزمات، وصدق في مساءلة السياسات، وصدق في إدراك أن الزمن وحده لا يصلح ما أفسده الإنسان.
قد تمر سنة أخرى دون أن يتغير الكثير، لكن مجرد الإيمان بأن التغيير ممكن يظل فعل مقاومة في عالم يعتاد الأزمات، ولهذا فإن المعنى الحقيقي للسنة الجديدة لا يكمن في ما تعدنا به، بل في ما تطلبه منا، أن نكون أقل تبريراً للظلم، وأكثر انحيازاً للإنسان،
لكأنها تقول، لا تنتظر المستقبل، بل اصنعه بالعمل والأمل.

