: آخر تحديث

تداعيات السلبية الثقافية

9
7
10

قلت للقلم: هل ندمتَ على العنوان: «انهيارات عدم فهم الثقافة»؟ لكن، على المكتوب في الجريدة، لا يفيد الندم. أخشى أن تشتغل ماكينة التأويل، والأمّة أصلاً مبتلاة بالتأويل منذ أكثر من ألف سنة. قد يتّهمك المثقفون بأنك تتّهم المثقفين بعدم فهم مفهوم الثقافة، وهذا الكلام ليس من وزن الريشة. كأنما راقك ما رويتُه لك عن ذلك الماكر الذي رأيت خياله في المنام. كان يَعجب للتنميات المتعثرة، لها أنظمة سياسية، وليس لها سياسة. لها حشود من الاقتصاديين، ولكن اقتصاداتها متجمّدة تحت الصفر. لها ملايين الأيدي غير العاملة المنهكة بالبطالة والعطالة. لها آلاف المدارس، وقصب السبق تفوز به الأمّية. ولها أيضا مثقفون بالألوف، «ولكنهم في النائبات قليلُ».

هنا، يجب أن يَمدّ العقل الناقد رجليه. من أخطر الإشكاليات في ثقافتنا، أننا لا نملك تاريخاً عربيّاً للأفكار. لا نملك تاريخاً للأفكار العربية. السبب واضح، فالمثقفون، في القرون الثمانية الأخيرة، في الأقل، لم تتحرك شعرة في مفرقهم لغياب الفلاسفة، ولعدم ظهورهم، ولو أطلّ أحدهم بنظرية في الفكر الاقتصادي، فلسفة التاريخ، لكانت أمّه هاوية، وكأنه مسيلمة بن ثمامة أو طليحة بن خويلد، من أدعياء النبوّة.

من الضروري أن يشعر المثقفون بتداعيات السلبية الثقافية. أغلب الظن، إلاّ أن يكون الظنّ محل شك وظن، أنه لا يليق بالنخب التي يتجسّد فيها وعي الأمّة وإدراكها ومعرفتها وإحساسها بالمسؤولية إزاء الهوية، بجذورها ومصيرها، أن تظل في الحادثات الحالكات، نائمةً وأرجلها في الماء، بينما بلدان عربية شقيقة تتداعى كأحجار الدومينو. حتى من ناحية النظرة الفنية في تحليل اللوحات التشكيلية، جدير بالمثقفين الذوّاقين، أن تلفت انتباههم ونباهتهم الهارموني في جدليّة متتاليات التماثل بين النيران التي قصمت قدود النخيل في واحات أرض السواد العراقية، والدمار الشامل في ديار حضارة أوجاريت السورية، وحطام غزّة، أمّا السودان فالمضارب مترامية الأطراف ونهر دم الأخوين يكاد ينوب عن النيل. الوطيس حامٍ، والنصر صبر قرن. لكن المثقفين على ما يبدو محقّون، فهذه المشاهد لا ثقافة فيها، فمن منطقهم هم، خارجة عن نطاقهم. مثلاً: هل يُعقل أن تذهب كوكبة من الشعراء إلى ليبيا أو الخرطوم: «جئنا لحلّ المشكلة، لإيماننا بثقافة الفعل». سيسمونهم على الخرطوم. ما هي مواقف المثقفين من كساح التنمية، انعدام تطوير التعليم، التخلف العلمي؟ إلى متى السلبية الثقافية؟

لزوم ما يلزم: النتيجة المنطقية: اعترف القلم بأن المشكلة تعود إلى ألف سنة. القوم لم يحلّوا بعدُ مشكلات القرن العشرين. فصبراً.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد