: آخر تحديث

الصفقة تنتظر تطورات إيرانية - أميركية: "حزب الله" يفقد قوته إقليمياً ويعوّض لبنانياً!

8
9
12
مواضيع ذات صلة

سينتظر لبنان الكثير من الوقت لإنجاز الاستحقاق الرئاسي وإبرام عقد تسوية داخلية جديد برعاية إقليمية ودولية. الأجواء السياسية اللبنانية في حال الانتظار لتطورات تساهم في إنضاج الحلول لتسويات تؤدي إلى انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة، فيما توحي المواقف المعلنة للأطراف والصراعات المحتدمة بعد انتهاء ولاية ميشال عون بأن الفراغ قد يطول ويحمل معه أخطاراً على البنية اللبنانية في ظل الفوضى الدستورية في الحكم واستمرار التفكك المجتمعي وضمن البيئات الطائفية.
 
الوقائع تشير إلى أن الظروف الدولية لا تشكل عنصر دفع لحل الأزمة اللبنانية، إذ إن المقومات الخارجية غير متوافرة، وهي في حالة انسداد، بعد وصول المفاوضات النووية إلى طريق مسدود، ومعها المحادثات الإيرانية – السعودية، معطوفة على وضع داخلي لبناني عاجز عن انتاج تسويات. ولعل التطور الوحيد يكمن في انعقاد مؤتمر ذكرى الطائف الذي نظمته السفارة السعودية في بيروت بمشاركة مختلف القوى باستثناء "حزب الله"، لكنه بقدر ما شكل تواصلاً حوارياً، إلا أنه يحمل في طياته الكثير من التناقضات، وإن كان الجامع فيه التركيز على مرجعية الطائف.
 
الإنجاز الوحيد الذي تحقق في الملف اللبناني هو اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل وهو لم يكن ممكناً من دون ضمان الوساطة الأميركية، فيما الملفات الأخرى معلقة حتى إشعار آخر. لكن في المقابل، أعاد ملف الترسيم هيكلة الأولويات لدى مختلف الأطراف، وفي مقدمهم "حزب الله" الذي خرج من مأزقه وتخلى عن خطابه الحربي أو "المقاوم" ضد إسرائيل وارتد إلى الداخل في محاولة لتوظيف فائض قوته وتعويض الخسائر التي تعرض لها في الانتخابات النيابية الأخيرة ثم في انتهاء ولاية رئيسه الحليف ميشال عون. ويُستنتج من مواقف الحزب أنه يريد أن تكون له كلمة الفصل في اسم الرئيس المقبل مع ترسيخ هيمنته في القرار الحكومي حين تتشكل حكومة قادرة على الاستمرار في تغطيته.
 
يعجز اللبنانيون أو الأطراف السياسية والطائفية اللبنانية عن التوافق في ظل الانشغال الخارجي بملفات دولية متفجرة، خصوصاً الولايات المتحدة التي قطعت مرحلة الانتخابات النصفية لكن نتائجها قد تترك تداعيات على التوجهات الأميركية في المنطقة والعالم. ويعني ذلك لبنانياً إطالة أمد الفراغ حتى إشعار آخر واستمرار تسيّد الفوضى في المؤسسات اللبنانية. ويتمثل ذلك بإبقاء الستاتيكو على حاله في مسار الاستحقاق الرئاسي، إذ يعقد مجلس النواب اللبناني جلسات مفتوحة للانتخاب وتصل الى طريق مسدود بعد الإطاحة بالنصاب في كل مرة. ووفق ما يبيّنه المسار النيابي، فإن "حزب الله" وحلفاءه لا يقبلون بشخصية من خارج تحالف الممانعة للرئاسة، بما يفضي إلى استنتاج أن الحزب بالعلاقة مع مرجعيته الإيرانية ينتظران تطورات قد تحدث في مسار العلاقة مع الولايات المتحدة وتنعكس على الملف النووي، خصوصاً بعد الصفقة التي وافقت عليها طهران في ما يتعلق بالترسيم البحري اللبناني – الإسرائيلي وصولاً إلى فرض حكومة تكون مطواعة لمحور الممانعة.
 
انغلاق الوضع الداخلي اللبناني على التسويات، كان واضحاً بعد انتهاء مؤتمر ذكرى الطائف، إذ عاد الجميع إلى قواعدهم الطائفية، بما يعني أن الأجواء الداخلية لا تؤسس لحوار لبناني فعلي لإنتاج تسوية تحت سقف الطائف على رغم إعلان كل القوى التزامها به بما فيهم "حزب الله" الذي أكد عدم السعي لتغييره، لكن الواقع يناقض ذلك بعدما جرى تهشيم بنود الوثيقة على مدى السنوات الماضية منذ أن فعلت الوصاية السورية كل ما يمكن لتطبيق الاتفاق وفق مصالحها بحيث بات الدستور مجرد واجهة لسيطرة الأمر الواقع. ولعل السنوات الست من العهد العوني كانت كفيلة بتفريغ الطائف من مضمونه حين أصر رئيس الجمهورية على ممارسة صلاحيات فرضتها السيطرة الحزبية على مفاصل البلاد بالاتفاق مع "حزب الله" وقدم نفسه طرفاً في الصراع الداخلي منقضاً على صلاحيات الرئاسة الثالثة.
 
لا تنظر القوى السياسية والطائفية اليوم إلى تسوية تحت سقف الطائف. وما يجري في البلاد يؤكد سعيها للاستثمار في الفراغ ومحاولة تحسين مراكزها انطلاقاً من الرهان على تطورات خارجية لإنجاز التسوية. وفي التحرك الإقليمي والدولي اختارت السعودية استحضار الطائف لإعادة تفعيل دورها في الداخل اللبناني، وهو أمر إيجابي في الإطار العام لكنه لا يستند إلى ركائز في البيئة السنّية المشتتة، إنما اتخاذها الطائف مرجعاً يقدم فرصة لإعادة ترتيب الأولويات اللبنانية نحو الحل. ويبدو أن السعودية لا تزال ترفض أي حكومة بمشاركة "حزب الله" وهي لا تنخرط في نقاش الأسماء حيال التسوية الرئاسية والحكومية.
 
وفي حين أن الأميركيين يدعون لإنجاز الاستحقاقات وتشكيل حكومة إصلاحات، إلا أنهم منشغلون بملفات إقليمية ودولية، وهم حذروا من استمرار الوضع اللبناني على ما هو عليه وتفكك الدولة، وكان لهم ما أرادوا بإخراج اتفاق ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل وتحييد هذه المنطقة عن الصراع بموافقة إيرانية، ما يعني أن "حزب الله" سيسعى في الداخل إلى فرض أجندته وكلمته في الاستحقاقات.
 
يبقى لبنان بالنسبة إلى إيران ساحة نفوذ لا تقدم تنازلات فيه بلا مقابل، خصوصاً بعد اتفاق الترسيم. ويتحرك "حزب الله" وفق هذه المرجعية، ويواصل تمسكه بحليفه العوني على رغم أنه قد يعلن مرشحه لرئاسة الجمهورية، والمتوقع أن يكون سليمان فرنجية، بالتوازي مع سعيه إلى إعادة ترتيب محوره والعلاقة بين حلفائه. وهو يستعد لفرض شروطه عندما تتوافر الظروف المناسبة، والرئاسة في طليعتها، مقابل الاتفاق على تسويات في الملفات الأخرى مثل الحكومة وغيرها، إنما حتى الآن لا اتفاق على الرئيس التوافقي غير المحسوب على أي طرف، ويعني أن التسوية لا تزال مؤجلة.
 
تسود الفوضى في لبنان مع الفراغ، فيما يحاول "حزب الله" التأقلم مع التطورات الإقليمية التي أخرجته من دائرة المواجهة مع إسرائيل إنما يعمل على أن يبقى مقرراً أساسياً في لبنان، مع الحفاظ على مكاسبه في الإقليم، لكنه فقد بعض عناصر قوته التي توافرت له خلال السنوات الماضية بعدما وصل البلد إلى حالة كارثية من الانهيار. لكن بعد التغييرات التي حدثت في المنطقة وبدء تراجع المشروع الإيراني بعدما بلغ ذروته بين 2015 و2020، وحصده خيبات واخفاقات، وبعد اتفاق الترسيم يمكن أن نشهد تحولات تدفع "حزب الله" إلى مقاربات جديدة... من دون أوهام!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد