: آخر تحديث

الإمام الزائر

52
51
43
مواضيع ذات صلة

في نظام الجامعات السعودية فكرة (الأستاذ الزائر) وهي فكرة عالمية قديمة، استفادت منها الشعوب، وانتقلت بها الأفكار والفلسفات والرؤى من بلد إلى بلد، وكان انتقالها عبرها أصلح للناس وأضبط لها، وممن يحضرني الآن من مشاهير الفكر العربي زكي نجيب محمود، فقد قضى فترة من حياته أستاذا زائرا في الولايات المتحدة، وقبله من أساطين الفكر والعلم وايتهد وبرتراند راسل، اللذين قضيا مدة من أعمارهما أساتذة زائرين في جامعات الولايات المتحدة، ومثلهم المفكر الأمريكي جون ديوي الذي كان كذلك في اليابان والصين وروسيا وتركيا والمكسيك قبل مئة سنة تقريبا.

 لم أعقد المقالة للحديث عن هذه المسألة في الجامعات ونظامها، بل رُمتُ أن أنقل هذه الفكرة إلى الصلاة في الحرمين الشريفين، حتى يكون من الأئمة والقراء المشهورين في العالم الإسلامي من يأتي إليهما إمامًا زائرا في رمضان، يدعوني إلى ذلك أمور، أولها إبلاغ الناس أنّ  هذه القراءات من وحي الله تعالى، فلا ينكرونه ولا يستريبون منه، وثانيها أنّ هذين المسجدين خاصة هم أولى المساجد للقيام بذلك؛ لأن المسلمين يأتون إليهما من مناطق مختلفة، لكلٍّ منها قراءة وطريقة أداء، ومن ملاطفة الزائرين وتقديرهم أن تكون بعض الصلاة بقراءتهم، وهما المسجدان اللذان متى قُرئ بقراءة من القراءات فيهما فلا يبعد أن يكون فيهما من أهلها، وثالثها أن النكارة والاستغراب سيكون فيهما أقل، وكان ينبغي أن يكون حالهما كذلك، ورابعها أنّهما الأرض التي خرجت منها القراءات القرآنية، وخامسها أنّ في الأرض أئمة وحفظة لكتاب الله تعالى يرجون هذه المناسبات ويتمنون لو شاركوا في هذه الصلوات، وأدركوا بعض نفحات هذه المقامات الكريمة.

   المملكة العربية السعودية هي قلب العالم الإسلامي، وفيها ربوع الإسلام الأولى، التي نهض فيها الإسلام، وانبثقت فيها علومه، فكانت فيها القراءات القرآنية، والأحاديث النبوية، وابتدأ فيها الاهتمام بالسيرة، وفيها وُلد عِقْد العلوم العربية والإسلامية، الذي شارك في نظم خرزاته أهل المشرق والمغرب، واجتمع عليه المسلمون والعرب من كل حدب، فتكاملت خرزات علومه، وتتامّت أسس معارفه، من أرضنا انطلقت الشرارة الأولى، ومنها بدأت الخطوات التأسيسية، وجرى فيها النبع الأول، الذي ورد الناس عليه وإليه، وانتفع منه القاصي والداني، ومن الخير أن نظلّ ممسكين بسبب الخير الأول، فالبدايات تدلّ على مكانتها آثارُها، وعلى قيمتها مكاسبُها، فنُشرك طائفةً من المسلمين في أعمالنا، ونُتيح لهم التعاون عليها معنا، وذاك أمر جرت عليه بلادنا، وسنة مضت عليها سياستها في التعليم وغيره، وبقي أمر أحسبه صالحا لتطبيق هذه الفكرة، والأخذ بها فيه، وهو إمامة الحرمين الشريفين المؤقتة خلال شهر رمضان المبارك، فيُختار من أئمة المسلمين وحفظة القرآن الكريم في أصقاع المعمورة كلّ سنة مَنْ يقوم بالصلاة فيهما، ويشرك بالإمامة أئمتهما، ويكون ذلك بما يُمكن تسميته بالإمام الزائر، وهو إجراء نظامي، له وجود في التعليم العالي.

   إذا كان من حسنات المرء على نفسه أن يتمثّل الإسلام في وعيه وفكره، فتتسع روحه، وتنداح ذهنيته، وتخفّ عَرامته، ويقلّ إنكاره؛ فكذلك هي حال المدن، خاصة المدن الشريفة كمكة والمدينة، اللتين بدأ منهما الإسلام، وأقبل إليهما المسلمون، وصار لهم فيهما تاريخ مشترك، يحرصون عليه، ويبذلون له، ويستميتون في الدفاع عنه، وتُحركهم لواعج الشوق إليه، هذه المدن يجمل بها أن تبقى منارة للمعاني الأولى التي ترعرعت فيها ونشأت في رحابها، فيُسمع من مآذن مَسْجِدَيها القرآن الكريم بقراءاته المشهورة، فهي وحي من وحي الله تعالى، وحريّ بهذين المسجدين، وأقصد الحرمين، أن يبقيا على رسالتهما الأولى، ويرِث من الخطوة الأولى ذلك، فيستمع المسلمون في ديارهم المتباعدة هذا الوحي بطرائق أدائه المختلفة، فلا ينكرونه، ولا يعجبون منه، ويتأمّلون في توسعة الإسلام على الناس في قراءة كتابه الكريم، ويجعلونها أصلا لهم يتأسون به ويقتفون أثره، وخير مكان وأصلحه لهذا الحرمان الشريفان، اللذان انطلقت منهما الدعوة الإسلامية، وفي رحابهما تعلّم الناس هذه الطرائق، وحملوها إلى الأراضي البعيدة، فخلدت فيها كما خلدت دعوة الإسلام، وقد آن أن يعرف المسلمون هذه الأصوات من حيث بدأت وانطلقت.

   هذه المقالة أوحى إليّ بفكرتها (الإمام الزائر) أنّ في العالم الإسلامي، وغيره من البلدان التي يقطنها مسلمون، أئمةً يصلون التراويح والقيام، وتصلنا صلواتهم الآن مع وسائل النقل الفردية، وتلك حسنةٌ من حسنات الإعلام الفردي، الذي تكثر فيه الخيبات والنكبات، فخطر في بالي أن أكتب عن هذه الأصوات النديّة بكتاب الله تعالى بقراءة لم تكن قراءتنا، لعل الكتابة عنها تقود إلى تطبيق فكرة (الأستاذ الزائر) عليها، فيُتلى كتاب الله تعالى بقراءاته الموحى بها عبر مآذن المسجدين التي يُنصت لما يتلى منها المسلمون من اليابان شرقا حتى أمريكا غربا، ولعلي أصبتُ ولم أكن في قولي أبعدت!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في كتَّاب إيلاف