: آخر تحديث
حين تتحول المصانع إلى سلاح نفوذ

قراءة في الإيكونوميست: لماذا يخاف العالم فائض الصين من الطاقة الإنتاجية؟

2
5
2

 

إيلاف من لندن: لم تعد عبارة «صُنع في الصين» وصفاً تجارياً عادياً، بل عنواناً لمعركة اقتصادية عالمية جديدة. ففيما تدافع بكين عن نموذجها الصناعي وترد على اتهامات الغرب لها بـ«فائض الطاقة الإنتاجية»، يطرح مقال في الإيكونوميست سؤالاً أكثر عمقاً: هل ينافس العالم شركات صينية، أم ينافس دولة كاملة؟

في قراءة نشرها عمود «تشاغوان» في الإيكونوميست، يعرض الكاتب الورقة التي أصدرتها وزارة التجارة الصينية حول ما تسميه بكين «قضية فائض الطاقة الإنتاجية المزعومة». الورقة، في نظر الكاتب، لا تخلو من نقاط صحيحة، لكنها تتجاهل الجزء الأهم من القصة: الدور الحاسم للدولة الصينية في بناء قدرة إنتاجية تفوق بكثير حاجات السوق المحلية.

وبحسب القراءة، فإن الدفاع الصيني يقوم على أن نجاح البلاد الصناعي نتج من الابتكار، والمنافسة المحلية الشرسة، وانخفاض كلفة الإنتاج، وتراكم الخبرة داخل تجمعات صناعية هائلة. وهذه حجج يصعب إنكارها. فالصين، كما يصفها الكاتب، هي اليوم «مصنع العالم».

لكن المشكلة، وفق المقال، تبدأ عند ما لا تقوله الورقة الصينية صراحة. فهي لا تعترف بأن بكين سعت، عبر سياسات طويلة المدى، إلى تقليص الاعتماد على الواردات الأجنبية واستبدالها بقدرات إنتاج محلية واسعة. والنتيجة أن قطاعات صينية كاملة لا تنمو بفعل السوق وحده، بل بفعل دولة تنموية تستخدم التمويل، والأراضي، والمشتريات الحكومية، والشركات المملوكة للدولة، والدعم المباشر وغير المباشر، لتدفع صناعات محددة إلى الصدارة.

هنا يصبح مفهوم «فائض الإنتاج» أكثر من رقم في ميزان العرض والطلب. فهو، في القراءة الغربية، تعبير عن نموذج اقتصادي يضخ السلع الصينية في الأسواق العالمية بأسعار وقدرات يصعب على المنافسين مجاراتها. وبالنسبة إلى الدول الصناعية الأخرى، لا تبدو المنافسة عادلة حين تجد شركاتها نفسها في مواجهة منظومة سياسية ومالية وصناعية كاملة.

وترى الإيكونوميست أن الورقة الصينية «تجمع بين الدقة والتضليل»: فهي محقة حين تذكّر الغرب بأن الصين لم تصبح قوة صناعية مصادفة، وأن شركاتها ابتكرت وتنافست وخفضت التكاليف. لكنها مضللة حين تتعامل مع فائض الإنتاج كأنه اتهام خارجي خالص، وتتجاهل أثر السياسات الرسمية في دفع المصانع إلى إنتاج يتجاوز قدرة السوق الداخلية على الاستيعاب.

وتتجاوز هذه المعركة حدود السيارات الكهربائية أو الألواح الشمسية أو البطاريات. فالصدام يدور حول سؤال أوسع: هل تستطيع أميركا وأوروبا وبقية الاقتصادات الصناعية الحفاظ على ما تبقى من نفوذها الإنتاجي، إذا بقيت الصين تصدر ليس فقط منتجاتها، بل نموذجها الصناعي نفسه؟

الجواب لم يعد اقتصادياً فقط. إنه سؤال قوة: من يملك المصانع، يملك جزءاً من المستقبل.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في اقتصاد