ولنر كيف تحوِّل الحركات المسلحة الشعوب إلى دروع بشرية، يجب أن نبدأ بالسؤال الأهم، وهو: هل للحياة قيمة في مشروع الإسلام السياسي؟
الجواب القاطع من وجهة نظري هو: لا.
الإسلام السياسي وما تسمى أجنحته المسلحة، الذي تمثله تنظيمات حركة الإخوان المسلمين، وحماس، وحزب الله، والحوثي، والميليشيات العراقية، والنظام الإيراني، والقاعدة وداعش وأخواتها وآخرون، لا يسعى إلى بناء دولة لخدمة الإنسان، بل إلى بناء آلة للموت باسم الدين. فمنذ بزوغ هذه الحركات، لم نسمع خطابًا يدعو إلى "الحياة في سبيل الله"، بل نسمع دائمًا وفقط "الموت في سبيل الله". مع أن الله خلق الإنسان ليعمُر الأرض ويعمل صالحًا، ولكن عادت هذه الحركات إلى عصر الجاهلية من خلال تقديم ملايين الأرواح قرابين بشرية تحت مسمى "الشهادة"، محوِّلة الدين إلى أداة سياسية للسيطرة على العقول وإنتاج الدماء، وخدمة مصالح الآخرين بما فيهم إسرائيل نفسها.
لنبدأ بغزة نموذجًا: أكثر من 70 ألف قتيل، ولم يتحرك ضمير حركة حماس حتى الآن، ولا تزال تدرس العروض وتناور، وشعبها يعيش في العراء ولا يجد قوت يومه.
فمنذ استيلاء تلك الحركة على قطاع غزة بالقوة المسلحة عبر انقلابها الدموي على السلطة الوطنية الفلسطينية، وقبل السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، كانت استراتيجيتها تقوم على إطلاق الصواريخ من بين المنازل والمدارس والمستشفيات، والاختباء وسط الناس، وقادتها يختبئون في الأنفاق التي بنوها لهم هم فقط تحت المناطق السكنية المزدحمة، غير عابئين بأن القصف سيقتل المدنيين. كانوا يدفعون بآلاف الأبرياء إلى الموت، ثم يخرجون ليبكوا "مجازر الاحتلال"، ويتسولون من مختلف بقاع الأرض تحت شعار دعم الجهاد والمجاهدين في فلسطين، ويساعدهم في ذلك كل الحركات والقوى التي على شاكلتهم. وهذه جريمة مزدوجة من وجهة نظري: جريمة الاحتلال الذي يقتل، وجريمة حركة الإسلام السياسي المسماة حماس التي تستخدم أبناء شعبها دروعًا بشرية وتُضحي بهم من أجل بقائها.
أما من ناحية لبنان، فاستراتيجية حزب الله لا تختلف كثيرًا، فقد بنى الحزب مقره الرئيسي في وسط بيروت في الضاحية الجنوبية "وسط الناس"، يخبئ صواريخه ومخازن أسلحته فيها بين العائلات والمدارس والمستشفيات. عندما ترد إسرائيل، يموت اللبنانيون، والحزب يستخدم موتاهم إعلاميًا، وهو مثل حماس لا يبني ملاجئ للبنانيين، بل يبني ملاجئ وأنفاقًا لقادته الذين قُتلوا على عمق 18 طابقًا تحت الأرض، وقُتل بسببهم العديد من الأبرياء وشُرِّد الآلاف. وعليه، فالإنسان وحياته في مشروع حزب الله ليس غاية، بل وسيلة يتقرب بها إلى الولي الفقيه وحرسه الثوري.
أما اليمن، فقد حوَّل الحوثي المدارس إلى ثكنات وفعل الأمر نفسه مثل سابقيه بإطلاق الصواريخ والمسيّرات من مناطق سكنية مزدحمة. فالأطفال اليمنيون يدفعون الثمن بينما قادة الحوثي يرددون شعارات "الموت لأميركا والموت لإسرائيل". لكنهم لا يموتون هم، بل يموت أبناء الفقراء، وذلك أيضًا خدمة للولي الفقيه ومنظومته الملالية.
والعراق أيضًا، حيث الميليشيات العراقية الموالية للحرس الثوري والنظام، والتي لا تقيم وزنًا لدولتها وشعبها، تنتشر في أحياء بغداد المزدحمة، وتقصف القواعد الأميركية من بين العوائل العراقية. عندما ترد الضربات الأميركية، يموت عراقيون أبرياء، حيث تحمي الميليشيات نفسها بدماء شعبها لتقدم فروض السمع والطاعة للولي الفقيه ورجال خلطوا السياسة بالأساطير الدينية.
ونأتي إلى إيران، النظام الذي يحارب بدماء الآخرين. فهي في حرب مباشرة مع أميركا وإسرائيل، وتستخدم تكتيك الدروع البشرية عبر وكلائها في المنطقة. فالحرس الثوري والنظام يشنان حربًا إقليمية على دول الجوار، ولكنهما لا يستخدمان شعبهما الإيراني كدروع بشرية، بل يستخدمان الفلسطينيين واللبنانيين واليمنيين والعراقيين. إيران تقاتل، ولكن بدماء الآخرين. هذا هو الإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي؛ بأبهى صوره: دين للغير، موت للغير، شهادة للغير. أما الإسلاميون فأرواحهم غالية.
وأجد هنا أنه يجب التنبيه إلى أن هذا لا يعني تبرئة إسرائيل، فهذا النقد لحركات الإسلام السياسي لا يعني أن إسرائيل على حق، فإسرائيل دولة مجرمة، دولة احتلال وعنصرية وتطهير عرقي، هي تحتل فلسطين وتعتدي على دول الجوار دون حسيب ولا رقيب. فهي تقتل المدنيين بوحشية، تهدم المستشفيات، تمنع الماء والغذاء والدواء، وترتكب جرائم حرب وإبادة جماعية. والقول إن حماس وحلفاءها مخطئون لا يعني تبرئة إسرائيل. الاثنان على خطأ، بل يمكن القول إن الاثنين يخدم بعضهما بعضًا، وقد يصل الأمر إلى درجة التواطؤ. وعليه، فانتقاد الاحتلال لا يعفي من انتقاد من يختبئ وسط المدنيين ويستخدمهم دروعًا بشرية باسم الدين.
والخلاصة من وجهة نظري هي أن الإسلام السياسي لا يقدس الحياة. فلو كانت الحياة مقدسة لدى مشروع الإسلام السياسي، لكان قادته قد بنوا ملاجئ للمدنيين قبل بناء الأنفاق لأنفسهم، وأعلنوا مناطق منزوعة السلاح لحماية الأطفال والنساء والمدنيين، ووفروا ممرات آمنة للناس قبل إطلاق أي صاروخ، وخاطروا بأنفسهم قبل أن يخاطروا بأطفال غيرهم. لكنهم لم يفعلوا. فمنهم من قُتل وهو مختبئ، ومنهم من لا يزال يختبئ وسط الناس بانتظار أن يُقتل أو ينجح في الهرب كما فعل الكثيرون، وهؤلاء غير عابئين بأن يُقتل أي عدد من المدنيين معهم، بينما إسرائيل بجيشها وأجهزة استخباراتها تواصل الملاحقة والتصفية والقصف لإخفاء حقيقة جرائمها والمتواطئون معها.
70 ألف قتيل في غزة وحدها، والآلاف في لبنان واليمن والعراق، ومئات الآلاف من المعاقين والجرحى، وتدمير شبه كامل لكل مقدرات الناس. فأي دليل على تقديس الحياة تريدون بعد هذا؟
وأخيرًا أقول: إن الإسلام السياسي لا يقدس الحياة، بل يقدس السلطة، والحياة عنده مجرد عملة رخيصة لشراء البقاء في الحكم والتحكم في مصائر الناس وخدمة أجندات الآخرين، وخدمة إسرائيل.
وأختم بالقول إن الأنفاق التي تُبنى للقادة فقط، والمدارس التي تتحول إلى ثكنات، والمدنيون الذين يُتركون في العراء، كلها توقيع واحد على جريمة واحدة: "نحن نعيش، وأنتم تموتون. هذه هي رسالتنا إلى السماء قبل الأرض".
هذا المقال يعبر عن وجهة نظري الشخصية ولا يعبر بأي حال عن وجهة نظر رسمية.

