لم تكن تلك الأيام عابرةً في ذاكرة الوطن، ولا كانت مجرد خبرٍ يُقرأ في صحيفة، بل كانت لحظة تحوّلٍ كبرى عشتها عن قرب، وشهدت تفاصيلها وهي تُكتب سطرًا سطرًا في سجل المملكة الحديث. في الرابع من نيسان (أبريل) عام 1985، جاء القرار الذي فتح للسماء بابًا عربيًا سعوديًا، حين وافقت وكالة الفضاء الأميركية على ترشيح المملكة العربية السعودية بانضمام صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز، والمقدم عبدالمحسن البسام "احتياط"، إلى طاقم مكوك الفضاء "ديسكفري"، في خطوة لم تكن علميةً فحسب، بل كانت رسالة حضورٍ حضاريٍ لوطنٍ يتطلع إلى أبعد من الأفق.
وحين انطلق المكوك في الرابع والعشرين من حزيران (يونيو) من العام ذاته، لم يكن يحمل لقب أول سعودي، كأول رائد فضاء عربي مسلم، فحسب، بل حمل معه طموح وطنٍ، وثقة قيادةٍ، واعتزاز شعبٍ، رأى في تلك الرحلة امتدادًا لمستقبلٍ بدأ يتشكل مبكرًا.
كنتُ في تلك الفترة أعيش الحدث، وأتابع مع الملايين صداه، وأرى كيف تحوّل من رحلةٍ علمية إلى قصة فخرٍ وطني. كان الحديث يدور في كل مكان، وكانت الأنظار تتجه نحو السماء، وكأنها تودع واحدًا من أبنائها، وتستقبله في آنٍ واحد.
ومن اللحظات التي لا تُنسى، تلك المكالمة الكريمة من خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز، رحمه الله، التي جسدت فخر القيادة واعتزازها بهذا الإنجاز، في مشهدٍ يعكس العلاقة العميقة بين القائد وأبناء الوطن حين يحققون ما يرفع رايته.
ثم كان الاستقبال الحافل في الطائف من لدن خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز، رحمه الله، ومن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، حفظه الله، والذي لم يكن استقبالًا رسميًا فحسب، بل كان احتفاءً وطنيًا شعبيًا يليق بحدثٍ استثنائي، وبشخصيةٍ حملت اسم المملكة إلى الفضاء، ومُنح سموه حينها رتبة رائد بالقوات الجوية الملكية السعودية.
وبعد تلك الرحلة، كان لي شرف القرب والعمل مع سموه، ومرافقته في محطاتٍ عديدة داخل الوطن وخارجه، وترتيب زياراته ولقاءاته مع رؤساء تلك الدول، حيث لم تكن تلك اللقاءات مجرد بروتوكول، بل كانت امتدادًا لرسالة تلك الرحلة.
وكان "الأسطرلاب"، تلك الميدالية التي رافقت سموه في رحلته الفضائية، حاضرًا في تلك اللقاءات، يُهدى لقادة العالم، وكأنه قطعة من ذاكرة السماء، تحمل رمزًا حضاريًا عميقًا، يربط بين تاريخ الأمة العلمي وحاضرها المتجدد.
لقد كانت تلك الرحلة أكثر من إنجاز، كانت بداية وعيٍ مختلف، ورسالةً بأن المملكة قادرة على أن تكون حيث تريد، في الأرض، وفي الفضاء.
خاتمة؛
تبقى تلك الرحلة ذكرى لا تُروى فقط، بل تُعاش في الوجدان، وتاريخًا لا يُكتب بالحبر وحده، بل بالفخر والانتماء، ذكرى جيلٍ رأى السماء أقرب حين حمل أحد أبنائه اسم الوطن إليها.

