: آخر تحديث

زلزال هرمز.. حرب تعاد فيها رسم خرائط القوة والثروة

6
7
7

في الثامن والعشرين من شباط (فبراير) 2026، لم تكن الطائرات الأميركية والإسرائيلية تقصف مواقع عسكرية إيرانية فحسب، بل كانت تُفجّر في الوقت ذاته أكبر أزمة اقتصادية تشهدها منطقة الشرق الأوسط منذ عقود. في غضون ساعات من اندلاع الضربات الأولى، قفزت أسعار خام برنت إلى ما يقارب 120 دولارًا للبرميل، بعد أن كانت تتداول عند متوسط 67 دولارًا منذ مطلع العام. لم يكن ذلك مجرد ردّة فعل سوقية عابرة، بل كان الإعلان الصارخ عن أن حربًا بالوكالة تحوّلت إلى مواجهة مباشرة تهدد شرايين الاقتصاد العالمي في إحساسها الأكثر هشاشة.

الجذور لا تُفهم دون استحضار المشهد الذي سبقه. منذ أواخر 2025، كانت إيران تنزلق نحو انهيار اقتصادي حاد، مع تدهور سريع في قيمة الريال واحتجاجات اجتماعية امتدت إلى أكثر من مئة مدينة، وصفها المراقبون بأنها الأكبر منذ ثورة 1979. في المقابل، كانت واشنطن تُحكم قبضتها الدبلوماسية والعسكرية، إذ أجرت ثلاث جولات تفاوضية في شباط (فبراير) 2026 وفق ما عُرف بـ "دبلوماسية البوارج"، بعد أن رسّخت حضورًا بحريًا غير مسبوق في المنطقة شمل إرسال حاملة طائرات ثانية هي "يو إس إس جيرالد آر. فورد". غير أن المفاوضات تعثرت، إذ طالبت واشنطن بوقف التخصيب نهائيًا، ونقل اليورانيوم المخصب خارج إيران، وتقليص مدى الصواريخ الباليستية، فيما رفضت طهران اعتبار ذلك سقفًا للتنازلات. وفي صباح ذلك السبت، استغلّ الطرفان معلومة استخباراتية عن اجتماع يضم كبار القيادات في مقر المرشد، فأطلقا العملية التي حملت اسم "زئير الأسد" إسرائيليًا و"الغضب الملحمي" أميركيًا.

السرعة التي تحوّل بها الصراع من إقليمي إلى عالمي الأثر كانت مذهلة. في غضون 48 ساعة، أعلنت شركة قطر للطاقة، إحدى أكبر شركات الغاز الطبيعي المسال في العالم، وقف إنتاجها إثر هجمات إيرانية على منشآتها في راس لفان ومسيعيد، فارتفعت أسعار الغاز في أوروبا بنسبة 50 بالمئة في يوم واحد. وأعلن البنك الوطني الكويتي إغلاق مقره الرئيسي. وفي دبي، سُمعت انفجارات في وسط المدينة. وأُلغيت أكثر من أربعة آلاف رحلة جوية يوميًا بعد إغلاق المجال الجوي فوق الإمارات والكويت والبحرين وقطر، في أكبر اضطراب لحركة الطيران الإقليمي منذ جائحة كوفيد-19. المنطقة كلها كانت تتوقف، حرفيًا.

لكن الضربة الأشد إيلامًا جاءت من حيث كان الجميع يخشاها دون أن يجرؤ أحد على التلفظ بها، مضيق هرمز. ذلك الممر الضيق الذي لا يتجاوز 33 كيلومترًا عند أضيق نقطة، والذي تعبره يوميًا ما يقارب 16.7 مليون برميل من النفط الخام والمكثفات وفق بيانات بلومبرغ لعام 2025، أي ما يمثل نحو 20 بالمئة من إجمالي إمدادات النفط العالمية، فضلاً عن خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم. حين بدأت إيران تُرسل رسائل عبر موجات الراديو تقول "لا يُسمح لأي سفينة بعبور مضيق هرمز"، وحين باتت أكثر من 150 ناقلة ترسو خارج المضيق في انتظار مجهول، أدركت الأسواق أنها أمام ما وصفته وكالة بلومبرغ بـ "السيناريو الكابوسي". وقدّرت كبيرة محللي الخام في شركة كبلر، مويو شو، أن إغلاق المضيق ليوم واحد فقط قد يدفع أسعار النفط إلى نطاق 120 إلى 150 دولارًا للبرميل. وبحلول اليوم الثاني والعشرين من الحرب، كانت صادرات النفط الخليجية قد تراجعت بأكثر من 60 بالمئة، وارتفعت أسعار النفط بأكثر من 50 بالمئة.

إيران، التي أدركت أن وزنها العسكري التقليدي لا يُقارن بالقدرة الأميركية الإسرائيلية المشتركة، لجأت إلى استراتيجية مختلفة تمامًا، تحويل المضيق من ورقة ردع أمني إلى أداة تحكم اقتصادي. فبدلاً من الإغلاق الكامل الذي كان سيُحكم الخناق على طهران ذاتها، لأن 85 بالمئة من إيراداتها مستمدة من قطاع الطاقة ونفطها يمر عبر المضيق نفسه، اتجهت نحو ما وصفه الخبير الاقتصادي عامر الشوبكي بـ "إدارة المرور اقتصاديًا". وتحدثت تقارير موقع لويدز ليست المتخصص في شؤون الملاحة البحرية عن نظام "بوابة رسوم" تديره عناصر الحرس الثوري، بمبالغ تصل إلى مليوني دولار لكل رحلة عبر المضيق مقابل "العبور الآمن". أربع سفن فقط كانت تُغادر الخليج في اليوم الواحد، ملتصقة بالساحل الإيراني عبر ممر ضيق بين جزيرتين. الجغرافيا تحوّلت إلى حصار ناعم مُضمر.

ردود الفعل الدولية كشفت عن خريطة تشقق عميق في النظام العالمي. الاتحاد الأوروبي رفض التدخل بالرغم من أن ألمانيا وحدها خفّضت توقعات نموها إلى 0.6 بالمئة بدلاً من 1.3 بالمئة، مع ارتفاع توقعات التضخم من 2 إلى 2.8 بالمئة. مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس أعلنت أن "القانون الدولي لا يعترف بمخططات الدفع مقابل المرور"، لكن الأوروبيين امتنعوا عن إرسال سفن لفتح المضيق. ترامب، الذي وصف موقفهم بـ "الجبن" وأضاف "لن ننسى"، وجد نفسه في مواجهة معضلة استراتيجية داخلية، فالإدارة التي أطلقت الحرب لم تُقنع 62 بالمئة من الأميركيين وفق استطلاعات أُجريت بعد أسبوعين من اندلاع القتال، فما هي أهداف هذه الحرب الحقيقية؟ هل هي نزع السلاح النووي؟ أم إسقاط النظام؟ أم تسوية إقليمية شاملة تُعيد رسم توازنات المنطقة؟

دول الخليج، بدورها، وجدت نفسها في موقع المتفرج المحروق. هي مضطرة للارتكاز على الضمانة الأمنية الأميركية، لكنها تدفع ثمن الحرب مباشرة من اقتصاداتها، إغلاق مطارات، وتعليق رحلات، وخسائر بمليارات الدولارات لكبرى شركاتها، وفرار للمستثمرين، وتراجع حاد في حجوزات السياحة والفنادق. وقد كان ولي العهد السعودي قد أكد في كانون الثاني (يناير) 2026 أن المملكة لن تسمح باستخدام أجوائها أو أراضيها في أي ضربة على طهران، في موقف يعكس إدراكًا خليجيًا عميقًا بأن إسقاط النظام الإيراني دون بديل واضح يعني فوضى حدودية أشد خطورة على الاستقرار الإقليمي من النظام القائم ذاته. وهذا بالضبط ما أشارت إليه مجلة إيكونوميست حين رأت في العنف الإيراني المكثف مؤشرًا على وصول القيادة إلى "مرحلة حرجة"، دون أن يعني ذلك انهيارًا وشيكًا.

ما تكشّف بعد شهر كامل من الحرب هو أن رهان الضربة الخاطفة قد فشل فشلاً ذريعًا. لم تندلع انتفاضة شعبية في الداخل الإيراني، ولم يُلقِ الحرس الثوري سلاحه. بل على العكس، بات الحرس يتطور إلى ما وصفه المعهد الدولي للدراسات الإيرانية بـ "فاعل سيادي موازٍ" يمتلك استقلالية في القرار الاستراتيجي، بطبيعة لا مركزية وشبكية تجعل من الصعب استهداف مركز ثقل واضح لشله. وهذا بالضبط ما يضع واشنطن أمام معادلة عسيرة، الانتصار العسكري التكتيكي لا يُنتج بالضرورة تسوية سياسية مستقرة.

أما على الصعيد الاقتصادي العالمي، فالفاتورة باتت تُقرأ بأرقام صادمة. وكالة الطاقة الدولية أفادت في آذار (مارس) 2026 بأن العالم فقد ثمانية ملايين برميل يوميًا من إمداداته، مع إغلاق طاقة إنتاجية خليجية تبلغ عشرة ملايين برميل يوميًا وتعطل ثلاثة ملايين برميل من طاقة التكرير. ويتوقع المحللون أن يظل خام برنت فوق 100 إلى 115 دولارًا طوال الربع الثاني من 2026، وأن عودة أسعار الطاقة والتضخم إلى مستوياتها الطبيعية قد تستغرق تسعة أشهر على الأقل حتى بعد انتهاء القتال. وقد أعلنت غرفة التجارة الدولية أن المنطقة تمر بـ "أسوأ أزمة صناعية في الذاكرة البشرية"، فيما تضررت آسيا بشكل موجع، لا سيما الهند والصين اللتان توجّه إليهما 82 بالمئة من شحنات النفط الخارجة من المضيق.

الصورة الأكبر تكشف أن ما يجري ليس مجرد حرب بين دول، بل إعادة رسم لخرائط القوة والثروة في منطقة تمثّل الشريان الأول للطاقة العالمية. مضيق هرمز لم يكن يومًا مجرد ممر مائي، بل كان دائمًا نقطة الاختناق الاستراتيجية التي يعبر منها ثلث التجارة البحرية العالمية للطاقة. إيران تحوّله اليوم من معطى جغرافي ثابت إلى ورقة ضغط متحركة. والسؤال الذي يشغل العواصم الكبرى ليس متى تنتهي هذه الحرب فحسب، بل كيف يبدو العالم بعدها، هل ستخرج منطقة الخليج أكثر تلاحمًا وقدرة على التنسيق الاقتصادي والأمني الذاتي؟ أم ستخرج هشّة ومنقسمة بين من دفع الفاتورة بدمه واقتصاده، ومن يُطالَب بدفعها بثروته؟ وهو ما ألمح إليه ترامب حين قال إن "بعض دول الخليج ستتحمل تكاليف الحرب". في السياسة كما في الاقتصاد، لا شيء مجانًا. والفاتورة دائمًا، في نهاية المطاف، تجد من يدفعها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.