: آخر تحديث

فقير الحظ

5
6
5

ليس كلُّ تأخّرٍ خذلانًا، ولا كلُّ تعثّرٍ انكسارًا، ولا كلُّ غيابٍ فراغًا، لكننا في عجلة الحكم وضيق التأويل نختصر الحكايات ونُسقط على الأرواح ألقابًا قاسية، لعلّ أبسطها لفظًا وأشدّها وقعًا "فقير الحظ". كلمةٌ تبدو خفيفة على اللسان، لكنها ثقيلة في المعنى، تُلقى كما تُلقى الأحكام النهائية، تُغلق الأبواب قبل أن تُفتح، وتُشيّد جدارًا بين الإنسان وبين احتمالاته القادمة. ففقير الحظ ذاك الذي تأخّر عنه الضوء فحسبه الناس ظلًّا، وغاب عن المشهد فظنّوه خارج النص، ومضى طويلًا في طرقٍ وعرة فقالوا لم يُكتب له الوصول، لكن هل الحكاية بهذه السهولة؟ هل يُقاس الإنسان بلحظة ظهوره، أم أن وراء هذا الغياب زمنًا يتشكّل، وخلف هذا التأخّر قدرًا يُعاد ترتيبه في الخفاء؟

فالحقيقة أن الحياة لا تسير بخطٍ مستقيم، ولا تمنح ثمارها وفق ترتيبٍ عادلٍ في الظاهر، بل تُخفي الكثير من ملامحها في أعماق التجربة، حيث لا تُرى الجهود، ولا تُحسب الساعات، ولا يُدرك حجم المعاناة، وفقير الحظ قد يكون أكثر الناس سعيًا، وأشدّهم إخلاصًا، وأصدقهم محاولةً، لكنه يُختبر في زمنٍ لا يُكافئ بسرعة، ويُدفع إلى مساراتٍ تتطلب صبرًا أطول، كأن الحياة تُعدّه لشيءٍ لا يأتي إلا بعد أن يكتمل. فتراه يعمل ويُتقن ويُجيد الوقوف بعد كل سقوط، لكن النتيجة تتأخر، لا لأن جهده قليل، بل لأن نضجه يُبنى على مهل، ولأن ما ينتظره ليس عابرًا، بل مقامًا يحتاج إلى عمقٍ أكبر، وفي المقابل يمرّ آخرون بسرعة، تُفتح لهم الأبواب، وتُمهّد لهم الطرق، كأوفرهم حظًا، غير أن المقارنة هنا خادعة، فلكل إنسان زمنه، ولكل طريقٍ شرطه، ولكل وصولٍ ثمنه المختلف.

فإنَّ ما يُسمّى الحظ ليس دائمًا ضربةً عمياء، ولا هبةً تُلقى اعتباطًا، بل هو في جوهره لحظة التقاءٍ دقيقة بين استعدادٍ طويل وزمنٍ مناسب، ومن يراه من الخارج يظنه صدفةً، ومن عاشه في الداخل يعرف أنه حصيلة تعبٍ صامت لم يجد لغته إلا متأخرًا. فقير الحظ هو ذاك الذي يُجيد في الخفاء، ويُبدع دون تصفيق، ويُعطي دون أن يُلتفت إليه، كأن جهده يُكتب بحبرٍ لا يُرى، وكأن حضوره مؤجلٌ إلى حين، وفي داخله حكاية لا تُقال، وصراعٌ بين الاستمرار والتعب، بين الأمل الذي يُلحّ والخذلان الذي يتكرّر، بين صوتٍ يقول: أكمل، وآخر يُهمس: إلى متى.

وهنا يُولد الخطر الحقيقي حين يتحوّل الوصف إلى قناعة، ويُصبح فقير الحظ هويةً لا حالةً، فيبدأ الإنسان بالتراجع، ويخاف من المحاولة، ويُفسّر كل فشل على أنه حكمٌ نهائي لا مرحلةٌ عابرة، وفي تلك اللحظة لا يكون قد خسر الحظ، بل خسر نفسه، لأن الفقر الحقيقي ليس في قلة الفرص، بل في فقدان الإيمان بإمكانية مجيئها. أما الذي يُقاوم، ويُعيد ترتيب ذاته بعد كل تعثّر، ويُصرّ على الوقوف، فهو وإن تأخر يُراكم في داخله ما لا يُرى، يبني صلابةً لا تُكسر، ويُعدّ نفسه لوصولٍ مختلف، ليس سريعًا لكنه ثابت.

وكم من إنسانٍ ظُنّ أنه عابر حتى صار علامةً، وكم من روحٍ قيل إنها لن تصل حتى سبقت غيرها حين جاءها زمنها فوجدها مستعدةً، فالحياة لا تنسى، لكنها لا تُعجّل، تؤخّر لتُهذّب، وتمنع لتُعيد التشكيل، وتُغلق لتفتح أبوابًا لا تُشبه ما مضى. فقير الحظ قد يكون في الحقيقة أغنى الناس تجربةً، وأعمقهم وعيًا، وأصدقهم فهمًا لقيمة الوصول، لأنه لم يُمنح بسهولة، بل انتزع لحظته من بين تعبٍ طويل.

وفي النهاية لا يُسأل الإنسان لماذا تأخرت، بل يُسأل: هل بقيت؟ وهل حافظت على وهج السعي حين خبت في عيون الآخرين؟ وهل تمسّكت بالطريق حين بدا لك بلا نهاية؟ وهل صدّقت أن لك نصيبًا حتى وأنت لا تراه؟ ففقير الحظ الحقيقي ليس من تأخر، بل من أقنع نفسه أن لا جدوى فانطفأ قبل أن تأتيه لحظته، وتوقّف قبل أن يكتمل طريقه، أما الذي ظلّ يُحارب بصمت، ويُجيد النهوض كلما سقط، ويحفظ في داخله يقينًا لا يشيخ، فذلك ليس فقير الحظ، بل صانعُ قدره ووارثُ لحظته حين تنضج.

فلا تُسلّم نفسك لهذا الوصف، ولا تجعل من التأخّر نهايةً، فكم من مؤجَّلٍ جاء أبهى، وكم من متأخرٍ سبق حين التقى بزمانه، فأضاءت له الحياة دفعةً واحدةً كأنها كانت تنتظره منذ البدء.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في كتَّاب إيلاف