: آخر تحديث

ترامب ودرس الركوب المجاني

9
9
7

كتب الكندي جيمس إي. ثورن، كبير الاستراتيجيين السوقيين، في حسابه على منصة إكس @DrJStrategy، بتاريخ 3 نيسان (أبريل) 2026، مقالًا هامًا، ملخصه أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتعمد تأخير التدخل العسكري الأميركي في مضيق هرمز ليجبر أوروبا وبريطانيا على مواجهة عواقب انقطاع النفط، بعد سنوات من "الركوب المجاني" على الضمان الأمني الأميركي. بدلًا من حل المشكلة سريعًا، يقول لهم: "أنتم بحاجة إليه أكثر منا، فلماذا لا تأخذونه بأنفسكم؟". الهدف: إنهاء الاعتماد غير المشروط على أميركا، وإعادة ترتيب النظام العالمي للنفط بحيث يصبح الوصول إليه مشروطًا بمساهمات حقيقية من الحلفاء. انتهى ملخص المقال.

لا أرى فارقًا كبيرًا بين انتقام الأفراد من بعضهم وبين انتقام الدول، فالسلوك ذاته يتكرر على مستوى أكبر وأكثر تعقيدًا. وما يفعله ترامب مع أوروبا اليوم يُجسّد هذه الحقيقة بوضوح. ففي بداية الحرب ضد إيران، كان يشعر بخيبة عميقة من الأوروبيين وحلف الناتو بعد رفضهم المشاركة أو تقديم أي دعم يُعتدّ به، ونعَتهم في 20 آذار (مارس) 2026 بالجبناء، وبأنهم يريدون حصاد فوائد الأمن دون أن يدفعوا شيئًا من تكلفته.

ومع ذلك، فإنَّ ما يفعله ترامب الآن لا يمكن فصله عن نمط عام في علاقاته الدولية، فهو منذ وصوله إلى البيت الأبيض يعامل التحالفات بوصفها صفقات لا التزامات تاريخية، ويستخدم الأزمات كأدوات لإجبار الآخرين على إعادة التفاوض معه. إنه لا يرى في "الحماية الأميركية" حقًا مكتسبًا للحلفاء، بل خدمة يجب أن تُشترى، وأن تُدفع تكلفتها كاملة. وما يحدث اليوم في مضيق هرمز ليس خروجًا عن هذا النهج، بل امتداد له، واستخدام متقن له في لحظة ندرة وضغط عالمي.

وحين أُغلق مضيق هرمز وارتفعت أسعار النفط، بدا ترامب وكأنه يمارس انتقامًا باردًا محسوبًا: لا يتسرّع في الدفع بقواته لحل الأزمة، بل يترك أوروبا تواجه تبعات انقطاع النفط الذي تعتمد عليه أكثر من الولايات المتحدة، قائلًا لهم ضمنًا: "أنتم بحاجة إليه أكثر منا، فاذهبوا وخذوه بأنفسكم."

لكن ما يلفت الانتباه هنا هو البُعد الثالث في هذه الأزمة: الخليج نفسه. فالدول الخليجية تجد نفسها في لحظة حسّاسة، ترى فيها واشنطن، لأول مرة منذ عقود، لا تتصرف باعتبار أمن المضيق مسألة "تلقائية". هذا التردد الأميركي يفتح الباب لأسئلة كبرى: هل سيدفع الأوروبيين إلى تبني دور أمني مباشر في الخليج؟ أم يخلق فراغًا قد تستثمره قوى أخرى كالصين والهند التي تعتمد أيضًا على نفط المنطقة؟ وهل يشجع بعض دول الخليج على إعادة مراقبة قيمة ما تقدّمه مقابل ما تتلقاه من مظلة الحماية الأميركية؟ هذه كلها أسئلة تُظهر أن الأزمة ليست مجرد مناورة ترامب ضد أوروبا، بل تحوّل في هندسة الأمن الإقليمي نفسه.

بهذه الطريقة يحوّل ترامب مفهوم "الركوب المجاني" الذي طالما استفاد منه الحلفاء إلى درس قاسٍ، ويعيد رسم قواعد اللعبة؛ لا ضمانات أميركية بلا مقابل، ولا حماية دون مساهمة حقيقية. وهو لا ينظر إلى الأزمة بوصفها حدثًا طارئًا، بل فرصة لفرض تصور جديد لنظام الطاقة: نظام يصبح فيه النفط، الذي طالما كان مستقرًا في تموضعه الجيوسياسي، ورقة مساومة تُحرك التحالفات نفسها. ولكن يبقى السؤال: هل يمكن لهذا النظام الجديد أن يتشكل فعلًا بهذه السرعة؟ وهل يقبل الأوروبيون بتحمّل كلفة أمن الخليج؟ أم أن الضغوط قد تدفعهم مستقبلًا إلى تسريع التخلص من الاعتماد على النفط كله؟

في جميع الأحوال، يبدو أنَّ ترامب لا يبحث عن نصر تكتيكي سريع، بل عن تغيير طويل المدى في طريقة عمل العالم. والذين ظنوا أن زمن "الاعتماد غير المشروط على واشنطن" فكرة ثابتة، يكتشفون اليوم أنه كان وهمًا طويلًا انتهى على بوابة مضيق هرمز.

وتزداد ملامح هذا المشهد وضوحًا بعد إعلان الولايات المتحدة وإسرائيل استمرار عملياتهما العسكرية ضد إيران، بالتزامن مع ما شهدته المنطقة منذ 28 شباط (فبراير) 2026 من تدفّق شبه أسبوعي لتعزيزات أميركية ضخمة شملت آلاف الجنود والسفن الحربية والطائرات المقاتلة. مثل هذا الحشد لا يشير إلى حرب قصيرة أو مناورة عابرة، بل إلى استعداد لمرحلة صراع ممتد، فالدول لا تحرك هذه الأعداد من القوات والمعدات عبر القارات لتعيدها سريعًا، وإنما لأنها تتوقع معركة طويلة تُعيد رسم توازنات الأمن والطاقة في المنطقة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.