في المنطقة العربية، تُدار بعض السياسات بعقلية تختزل الأزمات في فنجان قهوة، وتُراكم الأخطاء بذاكرة قصيرة. هذه ليست مبالغة، بل نمط متكرر، تُطفأ فيه الأزمات سريعًا وتُعاد إنتاج أسبابها بهدوء، وكأن المطلوب ليس الحل، بل استمرار دورة الأزمات نفسها، حيث تبدأ بتهدئة مؤقتة، ثم نسيان، ثم إعادة إنتاج الخطأ، بما يقود في النهاية إلى دورة موازية من الاستنزاف السياسي والمالي.
ففي كل مرة يُطرح فيها الخليج كنموذج يعمل، يتكرر خطاب جاهز داخل بعض الأوساط العربية يتحدث عن "دول بلا تاريخ" أو "ثقافة سطحية" أو "كيانات حديثة بلا جذور"، هذا ليس نقدًا بقدر ما هو محاولة تقليل من نموذج ينجح خارج القوالب التي اعتادوا الاحتماء بها، فالمشكلة ليست في الخليج، بل في ميزان القياس المختل نفسه.
بلا شك، فإن المشكلة ليست في امتلاك تاريخ أقدم، بل في العجز عن تحويله إلى قدرة على بناء دولة مستقرة واقتصاد فاعل، وهو عجز يُعاد تدويره عبر استخدام هذا التاريخ كذريعة مستمرة لتأجيل أسئلة الكفاءة والمحاسبة والنتائج أمام شعوبها أولًا، وأمام الآخرين ثانيًا.
هذه النخب تتعامل مع التاريخ والثقافة كملكية رمزية لا كقدرة إنتاج، فالتاريخ عندها ما كان لا ما يُبنى، والثقافة ما يُقال لا ما يُترجم إلى أثر، ولهذا يُطرح كل شيء إلا السؤال الذي يكشف الحقيقة: ماذا فعلتم بهذا الإرث؟ هل تحوّل إلى قوة أو استقرار؟ هل انعكس على الإنسان، أم بقي محفوظًا في الكتب بينما الواقع يُدار بعقلية الأمس؟
الواقع يفضح هذا الخطاب بالكامل، فهو إرث يُرفع كشعار دون أن يتحول إلى قدرة، ودون أن يمنع هشاشة اقتصادية أو جمودًا سياسيًا أو ضغوطًا اجتماعية أصبحت القاعدة لا الاستثناء، ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فحين سُئل أحد الدبلوماسيين عن الغضب الخليجي تجاه مواقف وُصفت بالخيانة، لم ينفِ، بل قدّم خلاصة عقلية كاملة تفترض أنها حالة عابرة تنتهي، وعلى فنجان قهوة تعود الأمور. المعنى واضح، إذ يُعتقد أنه يمكن امتصاص أي رد فعل لأن الذاكرة قصيرة والكلفة محدودة والخزائن ستُفتح، هذه ليست قراءة، بل رهان سياسي.
وفي تقديري، هذا الاستخفاف ليس سلوكًا دبلوماسيًا عابرًا، بل امتداد طبيعي لنظرة أعمق ترى نموذج الدولة في الخليج ككيان طارئ لا يُؤخذ بجدية، وهي نظرة لا تنفصل عن عجز مقابل في بناء نماذج مستقرة داخل تلك الدول نفسها، ومن هنا يصبح الانتقال من السلوك إلى البنية أمرًا حتميًا، لأن طريقة النظر إلى الدولة تحدد في النهاية طريقة التعامل معها.
وقد نجح هذا الرهان سابقًا حين فضّلت دول الخليج الاستقرار على المواجهة، لكن تحويله إلى قاعدة دائمة يكشف عقلية انتهازية ترى في العلاقة بابًا مفتوحًا للاستنزاف لا شراكة، وعلى مستوى أكثر فجاجة، يظهر خطاب آخر يتحدث عن الخليج ككيان هش أو "قلاع من زجاج" يمكن إسقاطها، وأن سكانها سيهربون إلى الدول الأعمق، والحقيقة أن هذا ليس تحليلًا، بل تضخم في تصور الذات لديهم، يقيس الوزن بطول التاريخ لا بقدرة البقاء.
وهنا تسقط الرواية من داخلها، فهذه النخب النرجسية والأنظمة التي يتبعونها، فشلت في تحويل تاريخها إلى استقرار، وثقافتها إلى تنمية، وشعاراتها إلى نتائج. لقد استهلكت شرعيتها وأدارت اقتصادات عاجزة تاركة مجتمعاتها تدفع ثمن خيارات لم تُراجع، والأوضح من ذلك أنها لا تعيش فقط على وهم التاريخ، بل على بنية فساد مزمنة تُعاد تغذيتها بخطاب "العدو الخارجي" كأداة لتبرير الفشل لا تفسيره.
وبدلًا من طرح سؤال: لماذا فشلنا؟ يُطرح سؤال: من نلوم؟ والنتيجة معروفة تتمثل في عدو يُصنع عند الحاجة ويُضخَّم عند الضرورة لتُعلَّق عليه الإخفاقات، بينما يبقى الداخل خارج المساءلة.
لكن الواقع لا يُدار بالشعارات بل بالنتائج، وهنا ينهار هذا الخطاب المنفصل عن الواقع أمام أبسط اختبار، يهاجمونه على المنابر ويقصدونه عند أول فرصة، فالدول التي تتحدث عن العمق الحضاري هي نفسها التي يدفع جزء من مواطنيها ثمن هذا العمق على شكل فقر أو بطالة أو هجرة صامتة، والوجهة ليست تلك الدول، بل الخليج نفسه، وهو المكان الذي يُنتقد خطابًا ويُطلب واقعًا، في انهيار كامل للسردية المعتادة.
هنا يسقط الكلام لتبدأ لغة الأرقام. فوفق بيانات اليونسكو والبنك الدولي، تصل معدلات الإلمام بالقراءة والكتابة في دول الخليج إلى ما بين 90 و97 بالمئة، أي أن الأمية لا تتجاوز غالبًا ما بين 2 و10 بالمئة، في المقابل، تتراوح هذه المعدلات في عدد كبير من الدول العربية خارج الخليج بين 20 و35 بالمئة، وتصل في بعض الحالات إلى 45 و50 بالمئة مع نسب أعلى بين النساء، وهو ما يعكس خللًا بنيويًا في بناء الإنسان قبل أي شيء آخر.
بحسب مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، تتكشف صورة يصعب تجاهلها، ففي الوقت الذي ترتفع فيه درجة الشفافية وانخفاض الفساد في دول الخليج إلى نحو 69 من 100، نجد دولًا عربية أخرى تعيش واقعًا مغايرًا، حيث تهبط درجات الشفافية إلى حدود 13 من 100، في انعكاس مباشر لاختلال بنيوي في إدارة الدولة وقدرتها على إنتاج الاستقرار والتنمية، وبما يعكس فروقًا حادة في مستويات الشفافية وجودة الإدارة العامة.
وعند هذه النقطة، لا يعود الخلاف في السرديات بل في الوقائع، فالأرقام لا تجامل، والنتائج لا تُخفى خلف لغة منمقة، وحين تجتمع الأمية المرتفعة مع الفساد المتجذر وضعف الحوكمة، فإن الحديث عن التفوق الحضاري لا يكون إلا محاولة لتجميل واقع لا يصمد أمام أبسط اختبار.
ومن هنا، لم يعد السؤال: من يملك تاريخًا أطول؟ بل: من يملك نموذجًا يعمل ويُنتج ويصمد؟ أما من يكتفي برفع الماضي كشعار، فسيظل يدور في الحلقة نفسها، ينتقد الخليج خطابًا، ويقصده واقعًا، ويعود في النهاية إلى الطاولة ذاتها، حيث تُدار السياسة بين فنجان قهوة وذاكرة قصيرة.

