: آخر تحديث

مسلوب الإرادة في بيته

3
3
2

لم يُشفَ غلّ الفصائل الحاقدة ومن يقفون خلفها بالمال والسلاح مجموعَ الهجمات السابقة على إقليم كردستان العراق، والتي زادت على 450 استهدافًا منذ بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، لذا واصلت الفصائل ذاتها مهماتها التخريبية، حيث إن الهجمات بالطائرات المسيَّرة أمس الأربعاء استهدفت أحد مستودعات زيوت السيارات في محافظة أربيل، وفق ما أعلنه محافظ المدينة أوميد خوشناو لوسائل الإعلام.

وحيال الجهات المسلحة من داخل العراق، والتي استهدفت إقليم كردستان بما فيه مقر البارزاني، ومنزل رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني، كان قد صرّح أكثر من سياسي عراقي مرموق عبر وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة بأن الجهات التي تقف وراء تلك الهجمات باتت معروفة للجميع، لافتين إلى أن حزب الله، أحد فصائل قوات الحشد الشعبي، وحركة النجباء، هما من قاما باستهداف الإقليم، مع ذلك لم يصدر إلى الآن غير البيانات الخجولة المنددة بالهجمات دون محاسبة الجهات الفاعلة من قبل السلطة الحاكمة في بغداد، أو تقديم أيّ ضمانات من قبل الحكومة والتكفل بعدم تكرار تلك الهجمات في المستقبل.

وصراحةً، فإنَّ الموقف الضعيف جدًا للحكومة العراقية بهذا الخصوص، يُذكِّر أهالي مناطق رأس العين وتل أبيض وعفرين في سوريا، بما كان يحصل لأكثر من سبع سنوات من الانتهاكات المتواصلة بحق أبناء تلك المناطق على يد الفصائل التي غزتها بطلبٍ من الفاعل الخارجي، والفصائل تلك كانت محسوبة على الائتلاف الوطني السوري ولها ممثلون في الائتلاف، ولكن من دون قدرة قيادة الائتلاف الوطني على محاسبة الفاعلين أو حتى إدانتهم شكليًا، علمًا أن منظمات حقوقية عالمية كتبت عن انتهاكاتهم، وتقارير دولية ذكرت المنتهكين كفصائل وأمراء حرب، ثم إن التقارير الموثقة عن الانتهاكات والمنتهكين كانت تصل تباعًا إلى قيادة الائتلاف، ولكن الائتلاف ظل عاجزًا عن اتخاذ موقف من تلك الفصائل أو مجرد التفكير بمحاسبتهم، ليس لأنه لم يكن يعرف ما تقوم به تلك الفصائل، إنما كان الائتلاف في وضع من لا حول له ولا قوة في ذلك الملف بالتحديد.

وإن كان موقف الائتلاف الوطني السوري قد بقي هزيلًا للأخير في هذا الإطار، فربما لا يُعاتَب إذا ما عرف المرء سبب تكبيله حيال ذلك الجانب الحقوقي بالتحديد، بالرغم من أن المعارضين انتفضوا ضد نظام البعث الغاشم من أجل نيل حقوق الشعب السوري، وذلك باعتبار أن مقر الائتلاف الوطني كان خارج سوريا، أي أن الائتلاف كان خاضعًا كليًا لسياسة الدولة التي آوتهم كمؤسسة وأعضاء، كما أن تمويل الائتلاف نفسه لم يكن من ميزانية الدولة السورية، ولا من خيرات البلد السوري، ولا حتى من مساهمات أبناء البلد، إنما كانت دولة خليجية هي من تتكفل بتغطية مصاريفه التشغيلية، أي أن الائتلاف كان محرومًا من أهم الركائز التي يُبنى عليها القرار السياسي.

باعتبار أن من يأوي ويدفع في هذا الزمان هو من يُملي معظم شروطه على من يُقيم ويتلقى، ولهذا كان موقف الائتلاف الوطني ضعيفًا جدًا حيال موضوع انتهاكات الفصائل التابعة للجيش الوطني، كما أن تلك الفصائل كانت تتبع الائتلاف بالاسم، بينما قادتها وعناصرها فكانوا يقبضون معاشاتهم من جهة أخرى غير سورية، وبناءً عليه، فكانت تلك الجهة تتحكم بالمسلحين وتسوقهم في الاتجاه الذي تريده، والائتلاف لم يتجرأ على فتح ملف المساءلة ليس كرهًا بالحق والعدالة، إنما خشيةً من إثارة غضب تلك الدولة التي كانت تتحكم بتلك الفصائل وقادرة في ذات الوقت على شل الائتلاف إذا ما أرادت.

وإذا كان الائتلاف الوطني، بسبب مكان إقامته من جهة، وبسبب التمويل المالي الخارجي من جهة ثانية، قد حُرم لسنوات من استقلالية القرار السياسي، فإن العاقل سيقول حين المقارنة إن القيادة العراقية أكثر تبعيةً وخضوعًا من الائتلاف الذي تم حله، وذلك بما أن الائتلاف كان يعيش على أرضٍ هي غير أرضه، ويأخذ المنح المالية من دولة أخرى، بينما القيادة العراقية تعيش على أرضها، ويقبض القادة رواتبهم من ميزانية دولتهم، ولا منّة لأي دولة عليهم، كما أن الفصائل العراقية المسلحة تقبض أموالها من الدولة العراقية ومن ميزانية الدولة ذاتها، ومع ذلك ترى القيادة السياسية مسلوبة الإرادة والقرار وهي داخل بيتها العراقي!

إذن فما الذي يمنع الحكومة العراقية من لجم تلك الفصائل أو محاسبتها؟ فهل لأن بعض أبرز أطراف الحكومة نفسها متورطة مع تلك الفصائل بطريقة ما؟ أم أن الفساد الذي ينخر هيكل مؤسسات الدولة يمنع الحكومة من اتخاذ أي قرارٍ صارم بحق تلك الميليشيات، بما أن تلك الميليشيات لديها أوراق ضغط كبيرة وقادرة على أن تصطاد من تريد من قيادة الدولة، أو بمقدورها توسيع رقعة الخراب في البلد المنهك سلفًا، وبالتالي فإنه بفضل الداعم الخارجي فهي قادرة على إفشال الحكومة وتعطيبها إن أرادت.

بينما إقليم كردستان العراق، فبكونه طرفًا مسالمًا وغير عدواني، وليس لدى قيادته شيء من هوس التخريب وسفك الدماء، لذا فبنظر تلك الفصائل وأسيادها والمسؤولين عنها في الدولة العراقية أن الإقليم لا يُشكل أيّ خطر عليهم أو على الحكومة العراقية ككل، كما يمكن إرضاء الإقليم ببضعة بيانات سياسية هي عمليًا لا توقف مسيَّرة ولا تعطّل صاروخًا، أما مواجهة الميليشيات بشكل حقيقي من قبل الدولة العراقية فقد تكون مكلفة جدًا بالنسبة إلى طاقم الحكومة، اللهم إذا ما جاءها الفرج الخارجي من تلقاء ذاته، واستطاعت أميركا وإسرائيل القضاء على تلك الفصائل، فوقتها سيُزاح همها عن كاهل الدولة ككل، كما أنه إذا ما استمرت الحرب على طهران وخارت القوى العسكرية الإيرانية بالفعل بفضل القصف الأميركي والإسرائيلي المدروس والمكثف، فوقتها قد نجد من يتجرأ على مجمل الميليشيات التي توالي إيران في أرض السواد، كما تجرأ الكثير من اللبنانيين أخيرًا على انتقاد حزب الله بكل أريحية، وذلك بعد أن تم تقليص نفوذ الحزب وتحجيمه وقصقصة أجنحته، وفوقها تجاسروا أكثر وطالبوا السفير الإيراني بمغادرة الأراضي اللبنانية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.