: آخر تحديث

حكومات حاضنة للإرهاب

5
3
4

يبدو أن الحكومات الأوروبية قد هبّت من رقدتها واستفاقت أخيرًا على حقيقة خطر القوى الظلامية المتغلغلة في مجتمعاتها، والتي باتت تهدد وجودها ككيانات ديمقراطية، وتسوقها نحو الخراب والدمار بسبب الأفكار الهدامة التي تنشرها هذه القوى في مجتمعاتها المنفتحة. وبدأت هذه الدول بإعادة حساباتها فيما يتعلق بشكل التعامل مع المتطرفين الإسلاميين المنتشرين في بلدانها بروح التسامح والتعايش في إطار ما تعتبرها حرية الأديان والمعتقدات واحترام حقوق الإنسان والديمقراطية. فها هو ناقوس الخطر يدق في أوروبا، ما دفع بالعديد من دولها أن تصدر تباعًا قرارات حاسمة بمنع المظاهر الدينية وترويج الأفكار التطرفية داخل المجتمع، وصولًا إلى حد الطرد وسحب الجنسية عن الأفراد الذين يمتنعون عن الاندماج في قيم المجتمع الأوروبي. وبالرغم من أن هذه الخطوة جاءت متأخرة جدًا، ولكن لا بأس بها في الوقت الراهن.

كما نعلم فإن المسؤولية الكبرى في الحفاظ على قيم الدولة المدنية والأنظمة الديمقراطية تقع بالدرجة الأولى على عاتق الحكومات من خلال تصريف جهود الأفراد نحو البناء والتنمية وعمارة البلدان. ولكن للأسف في عالمنا العربي هناك تقصير وإهمال متعمد من الأنظمة والحكومات العربية حيال هذا الموضوع، وذلك عبر السماح لنشوء أحزاب وتنظيمات إسلامية متطرفة لم تعد تهدد الدول العربية فحسب، بل تحولت إلى آفة تضرب العالم كله. والغريب أن معظم دساتير الدول العربية لا تسمح لنشوء أحزاب سياسية على خلفية دينية أو عقائدية ومذهبية.

في الستينيات وقبلها لم تكن منابر المساجد تستغل للترويج السياسي، ولم تكن وظيفة الخطيب أو إمام المسجد الدعاية لسياسات الحكومة أو حركة سياسية معينة، فكانت وظيفتهم تنحصر في حث الناس على العمل الصالح وإيصال الرحم والتصدق بالمال لمعاونة الفقير والتعايش مع الآخرين والالتزام بالفرائض والواجبات الدينية، وهذه هي الأهداف الأساسية والقيم العليا للإسلام. ولكن منذ منتصف السبعينيات تغير الخطاب الديني في المساجد والمنابر نحو الخوض في شؤون السياسة حتى أصبح معظم من يسمون أنفسهم بالدعاة والشيوخ أكثر شهرة من السياسيين والحكام بظهورهم الدائم في وسائل الإعلام. وشجعت الأنظمة العربية المستبدة هذه الظاهرة على أمل كسب الشارع من جهة، وإسكات المعارضة الداخلية واحتوائها باسم الدين والطاعة لولي الأمر من جهة ثانية، وقد أدى الشيوخ والدعاة هذه المهمة بنجاح.

قبل ظهور هذا المد الإسلامي لم يكن أحد يعرف شيئًا عن شيوخ الأزهر ولا عن الدعاة السلفيين، فلم يكن لهم وجود على الشاشات الإعلامية، ولكن مع ظهور القنوات الفضائية تسيد هؤلاء شاشات التلفزيون وبدأوا يبثون أفكارهم التطرفية، ويظهرون يوميًا في برامج ولقاءات تلفزيونية يدعون فيها إلى الأفكار السلفية ويصدرون فتاوى التجريم والتكفير بحق مخالفيهم وعلى الهواء مباشرة دون حسيب أو رقيب. والغريب في الأمر أن الحكومات العربية، وكما متعارف عنها، أنها تفرض رقابة مشددة على الكتب والأفلام السينمائية ولا تسمح لأي عمل فني أو أدبي أن يمر من الرقابة حتى ولو جرى فيها استخدام لفظ جارح، ولكنها في الوقت ذاته تسكت تمامًا عن مرور كل تلك الأفكار الإرهابية والفتاوى التكفيرية التي تروج للقتل والكراهية الدينية. والأنكى من ذلك أنها تحاكم وتسجن عشرات المفكرين وأصحاب الرأي تحت طائلة قانون ما يسمى بـ(ازدراء الأديان)، لكنها لا تحاكم شيخًا سلفيًا يدعو أمام الملايين وعبر شاشة التلفزيون لغزو أوروبا وسبي بناتهم وأطفالهم وتوزيعهم على المجاهدين المسلمين وإنشاء "سوق النخاسة" لبيع من يفيض عن حاجة المسلمين! يصدر هذا الكلام ونحن في القرن الواحد والعشرين، والقوانين الدولية تحرم تجارة الرقيق وسبي النساء والأطفال في الحروب!

لقد آن الأوان لأن تفعل الدول العربية كما فعلت الدول الأوروبية لقطع شأفة الإرهاب الإسلامي ووضع حد لتدخل الإسلاميين المتطرفين في حياة الناس ومنعهم تمامًا من الظهور في الشاشات لبث سمومهم وحصر خطبهم ودعاواهم في المساجد فقط مع تشديد الرقابة عليهم ومحاسبتهم عن كل ما يمس أمن الوطن والمواطن، والأهم من كل ذلك هو حصر الفتوى بالمراجع الدينية الرسمية، إضافة إلى إيقاف جميع القنوات الإعلامية المؤسسة على أساس ديني. فكفانا تخلفًا عن مجتمعات العالم المتقدمة، وكفانا الحديث عن بول البعير والحبة السوداء والحديث المكرر والفج عن إطلاق اللحى وحف الشوارب. ورحم الله المتنبي العظيم الذي قال "أَغايَةُ الدِّينِ أَنْ تُحفوا شَوارِبَكُم، يا أُمَّةً ضَحِكَتْ مِن جَهلِها الأُمَمُ".


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.