: آخر تحديث

إيران: خلافة تحت النار

3
3
3

إن كتابة مقال عن مدى قابلية النظام الإيراني على البقاء والاستمرارية يتطلب تفكيك آليات السلطة بعيدًا عن مدى مصداقية وجود خليفة الخامنئي على قيد الحياة من عدمه، فحتى الرئيس ترامب لا يعرف هل إن المرشد الجديد لإيران، السيد مجتبى، حي أم ميت أم مصاب.

وبعيدًا عن القراءات السطحية، وقبل معرفة مدى صلابة وقابلية النظام الإيراني على الصمود والبقاء، لا بد من تعريف النظام الإيراني كحالة دراسية في مناهج العلوم السياسية، فهو نظام هجين يجمع بين الثيوقراطية والجمهورية، مما منحه مرونة غير تقليدية في مواجهة سلسلة من الحروب والأزمات المتراكمة، اقتصادية، واجتماعية، ودولية.

ولو أردنا الجواب على سؤال ما هي ركائز صمود وبقاء نظام الحكم، بالرغم من التأكل الاقتصادي؟ هل يمكن للأدوات الأمنية وحدها الصمود أمام ضغط التضخم والفقر وانهيار قيمة العملة الإيرانية المستمر؟

لقد انتهج النظام سياسة الدفاع المتقدم أو ما تدعى بالمصدات، وكيف نجح في استخدام حلفائه الإقليميين، الأذرع، مثل حزب الله في لبنان، والحوثي في اليمن، ونظام بشار الأسد في سوريا، والحشد الشعبي، والفصائل العراقية الولائية، كخطوط دفاع متقدمة مما يسهم في نقل صراعاته إلى خارج الجغرافية الإيرانية ويحمي المركز، كما أنه اعتمد ما يسمى اقتصاد المقاومة، فوضع استراتيجيات الالتفاف على العقوبات الدولية وتحويل التهديد الخارجي إلى مبرر لتعزيز السيطرة الداخلية وتحقيق الاكتفاء الذاتي في قطاعات حيوية مثل الطاقة وصناعة السيارات والصناعات الدفاعية.

ومن ركائز الصمود والبقاء تعددية الأجهزة الأمنية والقمعية، مثل وجود الحرس الثوري والباسيج مقابل الجيش، مما يمنع وقوع انقلابات عسكرية ويضمن السيطرة على الاحتجاجات من خلال توزيع القمع.

إضافة إلى إنشاء شبكات واسعة من المؤسسات الاقتصادية لتوسيع قاعدة الزبائنية والمنتفعين لضمان بقاء طبقة واسعة من المستفيدين من بقاء الوضع الراهن، ولا بد من الإشارة إلى قابلية النظام الإيراني وقدرته على إنتاج خطاب المظلومية والسيادة وتوظيف الدين والمذهب لأغراضه السياسية وربطها بمسائل غيبية وتاريخية لمخاطبة قاعدته الشعبية الصلبة، بالرغم من تآكل هذا الخطاب لدى أوساط كثيرة مثل الشباب والنساء وبروز فجوة واسعة بين السلطة والمجتمع.

إن مدى قابلية صمود وبقاء النظام تعتمد على مدى قدرة الرافعة الاقتصادية له على تحمل الكلفة الباهظة للحرب وتآكل أدوات الإنتاج مع قوة تأثير وحجم الضربات المدمرة لمنشآته ومصانعه ومرافقه الحيوية التي وجهت إليه من أميركا وإسرائيل، وكذلك أزمة الشرعية الناتجة عن غياب المرشد ومدى قدرة النظام على الاستمرارية في ظل غياب مركز القرار الأعلى بشكل واضح وملموس وغياب رموز كبيرة من قادة النظام وحراس بواباته، إضافة إلى تآكل قاعدته الشعبية وتلاشي الأذرع الخارجية وفقدان محيطه الجغرافي الذي هاجمه بشراسة.

كل ذلك وأسباب أخرى داخلية وخارجية تدفع المراقب إلى قناعة بأن النظام ساقط لا محالة، سواء أكان عاجلًا حسب رغبة الرئيس الأميركي ترامب وشريكه نتنياهو بالاستسلام أو بقاء ينتج عن اتفاق ما، فأظن أنه سيرحل عاجلًا لعدم قابليته وقدرته على مجابهة تحديات الداخل لمرحلة ما بعد الحرب القاسية.

47 عامًا من تعذيب نفسه وتعذيب المنطقة معه سيرًا وراء شعارات جوفاء عفا عنها الزمن من تصدير الثورة وأحلام إمبراطورية وديماغوجية الشعارات، فإنه يعيش الآن في مرحلة الانكسار والاحتضار، وهذه نتيجة طبيعية لأن حاضر ومستقبل أي نظام سياسي هو حصيلة قراراته إن كانت صائبة أم خاطئة.

فالتاريخ سيذكر دائمًا أشخاصًا بعينهم لعبوا أدوارًا في التوجيه والقيادة يوم كانوا يتربعون على قمة الهرم السياسي، قد ندعوهم بالزعماء أو الرؤساء أو كل من شارك في صناعة حدث مهم، ولأنهم في الأخير بشر تلعب بهم السياسة أحيانًا ويلعبون بها في أوقات أخرى.

ولكل حاكم أو قائد ظروف مختلفة ساهمت في تكوين شخصيته، فقلما يفلح السياسيون طوال حياتهم، فهم إن لم يخذلهم ذكاؤهم خانتهم الظروف، والملك والحكم كموضوع خطير قد حيّر الفلاسفة والكتاب منذ القدم، فلماذا ينتهي عهد ويبدأ عهد آخر، وكيف يدوم الملك وتستمر الممالك، ولماذا نجح حاكم بعينه وفشل آخر؟

إن الجواب على هذه التساؤلات ربما يحتاج إلى مجلدات، ولكني دائم التذكر لبيتين من القصيدة اليتيمة للشاعر العربي ابن زريق البغدادي يوم كان في الأندلس، والتي تعبر في صميمها بأن الملك يدوم بالحكمة والسياسة والنعم تستمر بشكر الله عليها:

إذ يقول:
رزقت ملكًا فلم أحسن سياسته، وكل من لا يسوس الملك يخلعه
ومن غدا لابسًا ثوب النعيم، بلا حمدًا عليه فإن الله ينزعه


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.