ليس أخطر من سلاحٍ يُطلق، إلا نظامٍ يسمح بوصوله!
حين تُفكَّك الطائرات المسيّرة والصواريخ التي تستهدف الخليج والأردن وإسرائيل، ويُعثر داخلها على مكوّنات أوروبية الصنع، فالمشكلة لا تقف عند إيران وحدها، بل تمتد إلى حيث خرجت تلك القطع أصلًا: من مصانع تعمل تحت أعين أنظمة رقابية يُفترض أنها من الأكثر صرامة في العالم!
المسألة هنا ليست "تفصيلة تقنية"، بل سؤال سيادي: كيف تعبر مكوّنات حساسة، حتى وإن كانت مزدوجة الاستخدام، عشرات الحدود، وتصل إلى منظومات قتالية تُستخدم في ضرب مدن ومنشآت مدنية، دون أن تتوقف عند نقطة تفتيش قانونية واحدة؟ كيف تتحول الشرائح الإلكترونية، ووحدات الملاحة، وأنظمة الاتصال إلى شرايين تغذي آلة حرب، بينما تبقى الدول المنتِجة متمسكة بسردية "الاستخدام المدني" وكأنها صك براءة مفتوح؟
الجواب الصريح: هناك رخاوة في الرقابة، وثغرات معروفة، وإرادة سياسية غير مكتملة لإغلاقها، ضع خطًّا أحمر تحت إرادة سياسية. منظومات التحقق من المستخدم النهائي "End-User Verification" تُطبَّق على الورق، لكن يُلتف عليها عبر شركات واجهة، وشحنات مُعاد توجيهها، وسلاسل توريد متعددة الطبقات. تُباع المكوّنات لوسيط "نظيف" ثم تُمرَّر عبر دولة ثالثة، لتصل في النهاية إلى برامج عسكرية معروفة. هذه ليست حيلاً جديدة، إنها مسارات مُكرَّرة، تم توثيقها مرارًا وتكرارًا. ومع ذلك، تستمر هذه الثغرات إهمالًا أو تعمدًا؟
الاعتراض المعتاد من تلك الدول أن "هذه مكوّنات مدنية" وأنه "لا يمكن خنق التجارة العالمية بسبب احتمالات سوء الاستخدام"، لكن هذا الطرح يتجاهل حقيقة جوهرية: حين يتكرر النمط، يتحول "الاحتمال" إلى سلوك مُتوقع. وحين يصبح الوصول إلى المكوّنات جزءًا من دورة الإنتاج لدى طرفٍ خاضع لعقوبات، فإن الإصرار على تعريفها كسلع مدنية محايدة ليس سوى تبسيط مريح، أو غض طرف محسوب.
الأكثر إرباكًا هو التناقض بين الخطاب والممارسة. نفس الدول التي تُدين "أنشطة إيران المزعزعة للاستقرار" وتُصنّف أذرعها كمنظمات إرهابية، تُبقي قنوات الإمداد التقنية مفتوحة عمليًا ولو بشكل غير مباشر. تُصدر بيانات صارمة، لكنها تتباطأ في تحديث قوائم الرقابة على الصادرات "Export Controls"، ولا توسّع بما يكفي نطاق السلع الحساسة، ولا تفرض تدقيقًا حقيقيًا على الوسطاء ذوي المخاطر العالية. النتيجة: إرهاب يُدان سياسيًا، ويُغذّى تقنيًا.
لا يتعلق الأمر بدعوة إلى إغلاق الأسواق، بل إلى إدارة المخاطر بجدية. هناك أدوات معروفة وفعّالة، لكنها تحتاج إرادة لتفعيلها: توسيع قوائم السلع الخاضعة للرقابة لتشمل مكوّنات محددة ثبت استخدامها المتكرر في أنظمة مسيّرة وصاروخية، وفرض العناية الواجبة المعزَّزة "Enhanced Due Diligence" على الشحنات المتجهة إلى دول أو شركات ذات سجلّات إعادة تصدير مريبة، وتتبع تسلسلي للمكوّنات "Serial Traceability" وربطها بقواعد بيانات مشتركة بين الدول، بما يسمح بتحديد مسار القطعة من المصنع إلى المستخدم النهائي، وفرض عقوبات فعلية على الشركات الوسيطة التي تتورط عن قصد أو بإهمال في تحويل المسارات، وكذلك تفعيل شراكات استخباراتية وصناعية مع دول المنطقة المستهدفة، لتبادل الأدلة الفنية بسرعة، وتحويلها إلى قرارات تنظيمية فورية.
الأخطر من الثغرات هو تطبيعها. حين يُنظر إلى تسرب المكوّنات كأمر لا مفر منه في اقتصاد معولم، تُمنح الجهات المعادية مساحة زمنية ثمينة لتطوير قدراتها. كل جيل جديد من المسيّرات يصبح أكثر دقة وأقل كلفة، لأن "القطع الصغيرة" تواصل التدفق. وهنا تتحول المسؤولية من فاعل واحد إلى منظومة كاملة: من مصنع لم يُشدّد، إلى مُصدّر لم يتحقق، إلى وسيط استغل، إلى نظام رقابي اكتفى بالتقارير.
أما الموقف السياسي الرافض للمشاركة في مواجهة إرهاب إيران، فهو مفهوم ضمن حسابات الخوف من التصعيد، والطاقة، والهجرة. لكن غير المفهوم هو الجمع بين الحياد العسكري والقصور الرقابي. إذا اختارت دولة ما ألا تكون طرفًا في حرب، فهذا خيار سيادي. أما أن تسمح، بقصد أو تقصير، بمرور ما يُستخدم في تلك الحرب، فذلك يضعها في منطقة رمادية أخلاقيًا واستراتيجيًا.
الوضوح مطلوب: لا أحد يطالب أوروبا بأن تقاتل نيابة عن أحد. المطلوب أن تغلق الباب الخلفي الذي يدخل منه ما يُستخدم في ضرب مدن وشعوب. أن تتحول إداناتها إلى سياسات تنفيذية قابلة للقياس، لا بيانات موسمية. وأن تدرك أن "الازدواجية المدروسة" قد تبدو براغماتية على المدى القصير، لكنها تُقوّض مصداقيتها حين تتقاطع مع أمن الآخرين.
في النهاية، الإرهاب لا يحتاج إلى مصانع عملاقة بقدر ما يحتاج إلى ممرات مفتوحة. وإذا كانت تلك الممرات تمر عبر أنظمة يُفترض أنها الأكثر تقدمًا في العالم، فإن المشكلة لم تعد في السلاح وحده، بل في من سمح بمروره.


