يعيش العراق اليوم حالة من الترقب والانتظار، إذ قد يأخذ حصته من التغييرات المحتملة في المحيط الجغرافي والسياسي في المنطقة، التي تتزايد مؤشراتها مع احتمال تجدد المواجهة بين تل أبيب وطهران بشكل أكثر ضراوة وأوسع امتدادًا. هذا الترقب الخارجي ليس إلا وجهًا لعملة واحدة مع الاستعصاء الداخلي، فما يظهر للعيان كخلافات حزبية هو في جوهره انعكاس لقوانين الطبيعة وصراع "الجين السياسي" من أجل البقاء في بيئة شديدة التنافس.
إنَّ مبرر لجوئي إلى مفاهيم مثل "الانتخاب السلبي" و"الاستتباب الحيوي" لتفسير المشهد العراقي، ينبع من إيماني بأن الكيانات السياسية تتصرف ككائنات حية تخضع لذات قوانين التطور، فهي لا تسعى لإنتاج "الأفضل"، بل لضمان "البقاء". لذا، فإن ما نسميه "انسدادًا سياسيًا" ليس مجرد خلل في الإدارة أو نقص في الوطنية، بل هو حالة توازن إستراتيجي مستقر (Evolutionary Stable Strategy - ESS)، حيث تبرمج الجينات الحزبية نفسها على التعطيل المتبادل كآلية دفاعية قصوى ضد الفناء، وشلل حيوي مبرمج بانتظار توافق "الجينومات الكبرى" خارج الحدود.
هذا المقال هو محاولة لتفكيك المشهد العراقي ليس عبر لغة السياسة الجافة، بل عبر "خوارزمية التطور"، لنرى كيف تتحول المحاصصة إلى نظام تمثيل غذائي (Metabolism) يغذي خلايا الأحزاب، وكيف يصبح الدستور "بيئة غائمة" تسمح بالتكيف والمناورة للبقاء في قمة الهرم الغذائي السياسي.
الاستعصاء التبادلي وآلية الانتخاب السلبي داخل النوع الواحد:
من الناحية السياسية، لا يبرز الانسداد كحق نقض (فيتو) رسمي، بل كحالة من الاستعصاء التبادلي تفرضها القوى المتصارعة داخل المكون الواحد. وبتحليله بيولوجيًا، نجد أننا أمام أشرس صور التنافس داخل النوع الواحد Intra-specific Competition، فالأطراف التي تتقاسم ذات الحيز الحيوي (Niche) السياسي والمورد الانتخابي هي الأكثر تصادمًا وتثبيطًا لبعضها البعض.
يعمل النظام هنا وفق آلية "الانتخاب السلبي"، حيث يمثل صعود أي مرشح يمتلك بوادر "قوة" تهديدًا وجوديًا للفصائل الأخرى، مما قد يؤدي إلى "انقراضها" سياسيًا عبر الاستحواذ على مواردها وقواعدها. لذا، يتحول التعطيل من مناورة سياسية إلى غريزة دفاعية مبرمجة جينيًا لإجهاض أي طفرة قيادية، وضمان بقاء الجميع في حالة سكون تمنع الإقصاء النهائي لأي طرف.
الدستور كبيئة "غائمة" وآليات التكيف الإجرائي:
تمثل عقدة "الكتلة الأكبر" والثغرات الدستورية حالة من الغموض البيئي الذي تستغله الكيانات السياسية للمناورة. هذا التلاعب الإجرائي يشبه التكيف البيولوجي مع بيئة غير مستقرة، حيث يتم استغلال "الرماديات" القانونية لتعطيل المسارات التي لا تضمن بقاء الكائن الحزبي، مما يحول الدكتاتورية من عملية تطورية لإنتاج الأفضل إلى معركة استنزاف طويلة الأمد.
المحاصصة كآلية "استتباب" للطاقة الحيوية (Metabolic Homeostasis):
تعتبر الوزارات في العراق هي المصدر الرئيس للطاقة الحيوية (ATP النظام). سياسيًا، هي منظومة غنائمية لتمويل الأحزاب، أما بيولوجيًا فهي "المغذيات" التي تضمن سلامة خلايا الحزب واستمرار ولائها. من هنا، تظهر "المحاصصة" لا كخيار سياسي سيئ، بل كآلية استتباب (Homeostasis) ضرورية لمنع انهيار النظام الحيوي للأحزاب، فأي محاولة للإصلاح الجذري تُعامل كـ "فيروس" يهدد أمن الكائن الحزبي ويجب طرده.
التوازن الخارجي وعلاقات "التطفل والتبادل المنفعي":
يخضع العراق لتوازنات إقليمية (إيران وأميركا) تفرض "ضوءًا أخضر" لتشكيل الحكومة. هذه العلاقة تشبه التبادل المنفعي (Symbiosis) حيث تعمل الأحزاب كـ "عائل" (Host) لقوى خارجية مقابل الحماية. الانسداد السياسي هنا هو حالة "شلل حيوي" بانتظار توافق "الجينومات" الكبرى خارج الحدود، حيث لا يمكن للكائن المحلي اتخاذ قرار مصيري يتصادم مع إرادة المحرك الخارجي.
غريزة البقاء وخوف "الفرائس" من "المفترس" السياسي:
إنَّ البحث عن رئيس وزراء "ضعيف" أو "توافقي" هو إستراتيجية جينية مدروسة. فالنخبة السياسية تخشى من ظهور رئيس وزراء "قوي" قد يتحول إلى مفترس (Predator) يستخدم أدوات الدولة (القضاء والنزاهة) لتصفية خصومه. هنا، تغلب غريزة البقاء أي رغبة في بناء دولة قوية، ويفضل النظام حالة "السكون" (Dormancy) على خطر الفناء السياسي.
الخلاصة الديالكتيكية:
إنَّ ما تصفه المنصات الإعلامية بالصراع بين قوى الإطار التنسيقي للاستحواذ على منصب رئيس الوزراء هو في حقيقته تطبيقات عملية لقوانين البيولوجيا التطورية في بيئة سياسية مهجنة. الانسداد هو الحالة الطبيعية لنظام يحاول فيه كل "جين حزبي" تأمين بقائه ضد الانقراض، في ظل شحة الموارد وتكالب الضغوط الخارجية. إنها عملية صراع محموم على الطاقة والبقاء، تلبس لبوسًا دستوريًا وسياسيًا.


