العمل السياسي في منطقة الشرق الأوسط يحتاج إلى كثير من الحكمة والدراية وحسن التفاوض وتقديم الحلول المناسبة التي يقبلها الجميع ويباركها. في عالمنا العربي لدينا قادة مروا تركوا خلفهم إرثًا سياسيًا يُكتب بماء من ذهب، وربما يكون حسني مبارك أحد هذه الأسماء في الوطن العربي، ومن وجهة نظري، فإن الرئيس الأسبق لجمهورية مصر العربية حسني مبارك كان يملك الحكمة والذكاء وحسن التصرف في كثير من القضايا التي تمس مصر أولًا ودول المنطقة ثانيًا.
لحظات انفعالية كثيرة حدثت في المنطقة، استطاع في لحظتها أن يتحرك في الاتجاهات السليمة للقضاء على أي عواقب قد تسببها تلك الأزمات.
طوال تاريخ مصر، وهي تعتبر الحليف الإستراتيجي لدول الخليج وهي السند بعد الله، وهذا كان بسبب الحكمة التي كان يتمتع بها حسني مبارك رحمه الله. لا توجد شخصية سياسية كاملة دون أخطاء، والأخطاء جزء من العمل، ومن لا يخطئ لا يعمل، ومع ذلك امتازت الفترة الزمنية التي عاشها حسني مبارك كرئيس لمصر بالاستقرار السياسي والإقليمي. قد تكون لديه مشاكل اقتصادية كبيرة داخل مصر، لكن كان يسير بمصر في كثير من الأزمات إلى بر الأمان، ويستفيد من بعض الأحداث لخدمة مصر وشعبها.
حسني مبارك كان رئيسًا متعاونًا مع الجميع، ولم يسمح في يوم من الأيام أن تهتز ثقته بدول الجوار، بل كان يساهم في تعزيزها وبناء كل أواصر الود بينهم من خلال تعاونه المستمر معهم ووقوفه الدائم معهم في أزماتهم ومحاولة حلها وفق ما يرى فيه مصلحة للجميع. لم يسع للتقليل من أي دولة مهما كانت قوة الخلاف معها، ويكشف ذلك بعض الأزمات السياسية التي تعيشها مصر حاليًا مع السودان وإثيوبيا، خاصة أزمة سد النهضة القائمة بين مصر وإثيوبيا.
المواقف كثيرة، والتاريخ لا ينسى المخلصين من الرؤساء، لذا في تصوري أن الحقبة التي تعيشها مصر على كافة الأصعدة اليوم هي أقل من تلك الفترة التي كانت تحت رئاسة حسني مبارك. ربما مصر اليوم تفوقت على مستوى البنية التحتية، لكنها تقف عاجزة عند حل كثير من المعضلات التي تعيشها مصر اليوم. مصر اليوم تتأثر على نحو مباشر وعميق عند حدوث أي أزمة حقيقية على مستوى دول الشرق الأوسط، وما نعيشه اليوم مع الأزمة الإيرانية الأميركية الإسرائيلية دليل على ذلك. قد يكون للرئيس عبدالفتاح السيسي وفريق عمله اليوم دورًا كبيرًا في حل بعض القضايا التي تزامنت مع وجوده كرئيس لمصر، وقد تكون الحرب الإسرائيلية في غزة ووقوفه ضد تهجير الفلسطينيين أمرًا رائعًا يُحسب له، بالرغم من البطء الذي عاشته تلك الأزمة. في كثير من التفاصيل السياسية الدقيقة تتضح الفوارق بين بعض الزعماء، وهذا أمر يكتبه رواة التاريخ والأشخاص الذين عاشوا تلك التفاصيل.
حاليًا في مصر لا يبدو أن الرضا كله على كافة المستويات يخدم الرئيس السيسي، وكما ذكرت فالأخطاء واردة، لكن تصحيح الأخطاء يحتاج إلى قرار وتقدير بعض المواقف. غضب بعض الدول، ولو على المستوى الشعبي، من موقف مصر بقيادة عبدالفتاح السيسي مبرر نوعًا ما، والسبب لأن الجميع في دول المنطقة اعتادوا من مصر مواقف واضحة وراسخة، وكان من المهم أن يتبع فخامة الرئيس السيسي من سبقوه في هذا التعاون المبني على مواثيق قائمة بين مصر ودول الخليج العربي.
هذا لا يعني أنَّ مصر بقيادته تقاعست عن القيام بدورها تجاه دول الخليج، لكن لم يكن هذا الدور قويًا كما يجب وكما اعتدنا من مصر في كل التجارب والأزمات السابقة. في النهاية الكل سيمضي، وستبقى صفحات التاريخ مفتوحة تقرؤها الأجيال جيلًا بعد جيل، لهذا من الطبيعي أن يسعى الجميع في منطقتنا المتأزمة لكتابة أفضل ما يمكن لسيرة زعيم أو قائد خاض الأزمات وتعامل معها كما يجب.


